مشكلة انقطاعات الإنترنت المتنامية في أفريقيا
في كل عام، يدفع اليوم العالمي لحرية الصحافة إلى إمعان النظر في الأماكن التي تعمد فيها الحكومات إلى تقييد تدفق المعلومات. تُقدّم بيانات هذا العام المتعلقة بأفريقيا صورةً مركّبة: فالمواطنون في أرجاء القارة يؤيدون حرية الإعلام مبدئيًا، غير أن كثيرين منهم يعيشون في بلدان تُقيَّد فيها هذه الحرية باستمرار على أرض الواقع.
النمط متكرر ومتسق. إبّان الانتخابات والاحتجاجات وفترات الاضطراب السياسي، لجأت حكومات في دول أفريقية عديدة إلى حظر وسائل التواصل الاجتماعي وقطع الإنترنت المؤقت أدواتٍ للسيطرة. وهذه ليست حوادث معزولة، بل تمثّل استراتيجية موثّقة لإدارة المعارضة عبر قطع القنوات الرقمية التي ينظّم من خلالها المواطنون أنشطتهم ويُبلّغون ويتواصلون.
بالنسبة للسكان في المناطق المتضررة، تكون التداعيات فورية وجسيمة. لا يستطيع الصحفيون إرسال تقاريرهم، ولا يستطيع الناشطون التنسيق فيما بينهم، ويفقد الناس العاديون القدرة على الاطلاع على أخبار الأحداث الجارية في بلدانهم. ونظرًا لأن الإنترنت عبر الهاتف المحمول كثيرًا ما يكون الوسيلة الأولى بل الوحيدة للوصول إلى المعلومات في أجزاء كثيرة من أفريقيا، فإن انقطاع الإنترنت يكون أشد إرباكًا مما قد يكون عليه في مناطق أخرى.
كيف تستخدم الحكومات الانقطاعات للسيطرة على الروايات
كثيرًا ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أولى ما يُحجب. فخلال الانتخابات أو الاحتجاجات الشعبية، تصبح منصات مثل فيسبوك وتويتر/إكس وواتساب وتيك توك أهدافًا، لأنها تتيح تداولًا سريعًا ولامركزيًا لمقاطع الفيديو وشهادات شهود العيان، مما يصعب على السلطات الإشراف عليه أو قمعه بالوسائل التقليدية.
وأحيانًا تكون القيود جزئية، تطال منصات بعينها فحسب. وفي أحيان أخرى، تأمر الحكومات بإبطاء سرعات الإنترنت على نطاق أوسع، فتُصبح الاتصالات بطيئة جدًا لتحميل مقاطع الفيديو أو مشاركة الصور بفاعلية. وفي الحالات الأشد خطورة، يُقطع الاتصال بشبكات المحمول بأكملها لساعات أو أيام متواصلة.
وكثيرًا ما يتمحور التبرير الذي تُقدّمه السلطات حول منع انتشار المعلومات المضلّلة أو الحفاظ على النظام العام. في المقابل، يرى المنتقدون، من بينهم منظمات حرية الصحافة وجماعات حقوق الإنسان، أن هذه الانقطاعات تهدف في المقام الأول إلى منع المساءلة وحماية أصحاب النفوذ من التدقيق في تصرفاتهم خلال اللحظات الحساسة.
ما يجعل هذا التوجه بالغ الأهمية هو الهوّة التي يكشفها بين القيم المُعلنة والتجربة المعاشة. تُظهر بيانات الاستطلاعات باستمرار أن المواطنين الأفارقة يؤمنون بحرية الصحافة. والقيود التي يعانون منها ليست انعكاسًا لتفضيلات الرأي العام، بل لسياسة الحكومة.
ماذا يعني هذا بالنسبة لك
إن كنت تعيش في بلد يتكرر فيه قطع الإنترنت أو تزوره أو تعمل مراسلًا منه، فإن فهم خياراتك قبل وقوع الانقطاع أمر لا غنى عنه. إذ كثيرًا ما تحدث الانقطاعات بسرعة ودون سابق إنذار، مما يجعل التحضّر المسبق أمرًا بالغ الأهمية.
بعض الاعتبارات العملية:
تعرّف على تاريخ بلدك في انقطاعات الإنترنت. تنشر المنظمات التي ترصد حرية الإنترنت سجلات بالانقطاعات السابقة مُصنَّفةً حسب البلد والمنطقة. ومراجعة هذه السجلات تمنحك صورة واقعية عن حجم المخاطر في منطقتك.
أعدّ موارد غير متصلة بالإنترنت مسبقًا. نزّل المستندات والجهات والخرائط المهمة قبل فترات التوتر السياسي المرتفع، كأسابيع الانتخابات أو التواريخ المُعلنة للاحتجاجات. ويمكن للتطبيقات التي تعمل دون اتصال بالإنترنت أن تساعد في الحفاظ على بعض الوظائف عند قطع الاتصال.
افهم كيف تعمل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وما حدودها. تُشفّر الشبكة الافتراضية الخاصة (VPN) حركة مرور الإنترنت وتُوجّهها عبر خوادم في دول أخرى، مما قد يُساعد على تجاوز بعض حجب وسائل التواصل الاجتماعي وقيود المحتوى. وفي حالات كثيرة، استخدم أشخاص في بلدان تفرض حجبًا جزئيًا على المنصات شبكاتٍ افتراضية خاصة للحفاظ على الوصول إليها خلال الانقطاعات. غير أن الشبكات الافتراضية الخاصة ليست حلًا شاملًا؛ فالانقطاع الكامل على مستوى الشبكة، حيث يُقطع اتصال البيانات عبر الهاتف المحمول كليًا، لا يمكن تجاوزه بشبكة افتراضية خاصة لأنه لا يوجد اتصال أصلًا لتوجيه حركة المرور عبره. وتكون الشبكات الافتراضية الخاصة أكثر فائدة في مواجهة حجب المنصات المحددة وتصفية المحتوى، لا في مواجهة الانقطاع الكامل للاتصال.
نزّل شبكة افتراضية خاصة قبل أن تبدأ القيود. في عدد من الانقطاعات الموثّقة، عمدت السلطات أيضًا إلى حجب خدمات الشبكات الافتراضية الخاصة. فإن انتظرت حتى بدء الانقطاع للبحث عن أدوات، قد تجد متاجر التطبيقات مقيّدة بالفعل. لذا فإن التثبيت والاختبار المسبق لشبكة افتراضية خاصة هو النهج الأكثر عملية.
ابقَ مطّلعًا عبر قنوات متعددة. ظلّ الراديو، بما يشمل موجات الراديو القصيرة والراديو المجتمعي، متاحًا تاريخيًا خلال انقطاعات الإنترنت، ولا يزال مصدرًا احتياطيًا مهمًا للأخبار في أرجاء واسعة من أفريقيا.
الرهانات الأشمل لحقوق الفضاء الرقمي
التوجه الموثّق في تقارير حرية الصحافة لهذا العام يتخطى سياقه الإقليمي المباشر في أهميته. فحين تكتشف الحكومات أن انقطاعات الإنترنت وسيلة فعّالة وقليلة التكلفة نسبيًا لإدارة الأزمات السياسية، تنتشر هذه الممارسة. تراقب الدول ما يجدي نفعًا في غيرها وتتبنّى تلك الأساليب.
أسهم الضغط الدولي والتوثيق من قِبَل منظمات المجتمع المدني والوعي العام المتنامي في رفع تكلفة الانقطاعات، سواء من حيث الأضرار الاقتصادية أو التبعات على الصعيد السمعي. بيد أن البيانات تؤكد أن الانقطاعات لا تزال أداةً متكررة الاستخدام في أرجاء القارة.
بالنسبة لكل من يعيش أو يعمل في منطقة يخضع فيها الوصول الرقمي للتدخل السياسي، فإن الدرس العملي واضح: تعامل مع الوصول إلى الإنترنت باعتباره أمرًا قد لا يكون متاحًا دائمًا، وخطّط وفق ذلك، وتعرّف على الأدوات التي يمكنها مساعدتك على الحفاظ على الوصول حين تُفرض القيود. إن التثقّف والاستعداد هما الاستجابة الأكثر فاعلية لمشكلة لا تبدو في طريقها إلى الزوال من تلقاء نفسها.




