انقطاع الإنترنت في إيران لمدة 38 يوماً يُرسي سابقة عالمية خطيرة
تشهد إيران حالياً أطول انقطاع متواصل للإنترنت في تاريخها، إذ تراجع الاتصال إلى ما يقارب 1% من مستوياته الطبيعية لمدة 38 يوماً متتالياً. وقد أسفر هذا الانقطاع، الذي أعقب أحداثاً جيوسياسية حديثة، عن عزل عشرات الملايين من المدنيين عن الإنترنت العالمي بشكل فعلي، وحرمانهم من الوصول إلى الأخبار وأدوات التواصل والخدمات الرقمية الأساسية. ويضع نطاق هذا الانقطاع ومدته في مصافٍ خاصة به بين حالات قطع الشبكات التي تفرضها الدول.
ما الذي يجري على أرض الواقع
لا يُمثّل هذا الانقطاع مجرد مفتاح تشغيل وإيقاف بسيط. فقد طبّقت السلطات الإيرانية ضوابط متعددة الطبقات على نقاط وصول متعددة، لا تستهدف الاتصالات الإنترنتية الاعتيادية فحسب، بل أيضاً أدوات التحايل التي يلجأ إليها المواطنون عادةً حين تُفرض القيود. وقد خضعت خدمات الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) والوصول إلى الإنترنت عبر الأقمار الصناعية لرقابة مشددة. والأخطر من ذلك أن محاولة تجاوز الانقطاع تنطوي على مخاطر قانونية جسيمة، إذ يواجه المستخدمون الذين يُضبطون باستخدام هذه الأدوات خطر الاعتقال أو السجن في إطار الإجراءات التنفيذية المعمول بها حالياً.
وهذا يعني أن المدنيين لا يعانون مجرد إزعاج بسيط، بل هم معزولون معلوماتياً بالكامل. فالصحفيون لا يستطيعون إرسال تقاريرهم، والناشطون لا يستطيعون التنسيق بأمان، والمواطنون العاديون لا يستطيعون الاطمئنان على أفراد عائلاتهم أو الوصول إلى خدمات مصرفية أو التحقق مما يجري في بلدهم. ويُعدّ الفراغ المعلوماتي الناجم عن ذلك من أبرز الأبعاد الإنسانية لهذا الانقطاع.
الرهانات الإنسانية للعزل الرقمي
بات الإنترنت ركيزةً أساسية في كيفية تعامل الناس مع الأزمات. فحين تضرب كارثة طبيعية، يلجأ الناس إلى الإنترنت للعثور على مأوى وتحديد أماكن ذويهم. وحين تنشب اضطرابات سياسية، يستخدمه المواطنون لتوثيق الأحداث ومشاركة المعلومات مع العالم الخارجي. وحين تنشأ حالات طوارئ طبية، يلجأ إليه الناس للعثور على الرعاية اللازمة.
إن انقطاعاً لمدة 38 يوماً بنسبة اتصال تبلغ 1% لا يُبطئ هذه الوظائف فحسب، بل يُلغيها بالكامل تقريباً بالنسبة لمعظم السكان. وقد دأبت منظمات حقوق الإنسان على التأكيد أن الوصول إلى الإنترنت بات لا ينفصل بصورة متزايدة عن ممارسة الحقوق الأساسية الأخرى، بما فيها حرية التعبير وحرية التجمع والحق في الوصول إلى المعلومات. ويضع انقطاع الإنترنت في إيران كل هذه الحقوق في حالة تعليق فعلي في آنٍ واحد.
ويُضاعف من حجم الضرر بشكل ملحوظ تجريمُ أدوات التحايل. ففي حالات الانقطاع السابقة في دول أخرى، أتاح استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة والوصول عبر الأقمار الصناعية تدفق بعض المعلومات حتى في ظل قيود صارمة. أما في الوضع الراهن بإيران، فإن التهديد القانوني المحيط بتلك الأدوات يُزيل طبقة من الحماية اعتمد عليها السكان في حالات انقطاع أخرى. والمخاطر المترتبة على ذلك حقيقية وخطيرة، وكل من يوجد داخل إيران ويوازن بين خياراته المتاحة يواجه تهديداً حقيقياً لسلامته الشخصية، لا مجرد تحدٍّ تقني.
لماذا يتجاوز هذا الأمر حدود إيران
لا تُعدّ حالات انقطاع الإنترنت التي تفرضها الدول ظاهرةً جديدة، غير أن نطاقها ومدتها وتعقيدها في تصاعد مستمر. ما يجري في إيران الآن يُمثّل أحد طرفَي طيف يشمل التقليل المتعمد للسرعة، وحجب منصات بعينها، وقيوداً على وسائل التواصل الاجتماعي تشهدها عشرات الدول. والفرق هو في الدرجة لا في النوع.
والسابقة التي يُرسيها هذا الوضع تستحق دراسةً متأنية. فحين تُثبت حكومةٌ ما أنها قادرة على تقليص اتصال بلادها بالإنترنت إلى ما يقترب من الصفر لأكثر من شهر، وتقييد الوصول عبر الأقمار الصناعية، وتجريم أدوات التحايل، والحفاظ على هذا الوضع مع إدارة الانتقادات الدولية، فإنها تُقدّم نموذجاً يُحتذى به. وستستخلص الحكومات الأخرى التي ترصد هذا الوضع استنتاجاتها الخاصة حول ما هو ممكن تشغيلياً وسياسياً.
وفي سياق النقاش الأشمل حول الحقوق الرقمية، يطرح هذا الوضع تساؤلات مزعجة حول هشاشة الإنترنت بوصفه بنية تحتية. فالاتصال بالشبكة الذي يعمل بشكل موثوق في الأحوال العادية يمكن إزالته بالأنظمة المركزية ذاتها التي تُديره. إن بنية الإنترنت الوطنية في كثير من البلدان تجعل هذا النوع من الانقطاع ممكناً من الناحية التقنية، حتى وإن تباينت الإرادة السياسية لتنفيذه تبايناً واسعاً.
ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لك
بالنسبة للقراء خارج إيران، يُجسّد هذا الوضع مثالاً ملموساً على السرعة التي يمكن بها تقييد الوصول الرقمي، وما تبدو عليه التداعيات الإنسانية حين يحدث ذلك. كما يُذكّرنا بأن الاتصال بالإنترنت، أينما كنت، يعتمد على بنية تحتية وقرارات سياسية ليست في يد الأفراد بالكامل.
ثمة أمور تستحق التأمل:
- اعرف القوانين المحلية في بلدك. في بعض الدول، تنطوي أدوات التحايل على مخاطر قانونية مماثلة لتلك التي يواجهها الإيرانيون الآن. من المهم فهم البيئة القانونية في المكان الذي تعيش فيه قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بكيفية وصولك إلى الإنترنت.
- تابع منظمات الحقوق الرقمية. تنشر المجموعات التي ترصد حالات انقطاع الإنترنت وتدافع عن الوصول المفتوح معلومات تفصيلية خاصة بكل دولة. إن البقاء على اطلاع بالاتجاهات العالمية يساعدك على فهم السياق الأشمل لاتصالك بالشبكة.
- فكّر في مسألة الصمود. سواء لأسباب شخصية أو مهنية، فإن التفكير في كيفية الحفاظ على التواصل لو تعطّل الوصول الاعتيادي إلى الإنترنت هو تمرين عملي لا مبالغة في الحذر.
إن انقطاع الإنترنت القياسي في إيران ليس حدثاً مجرداً يجري في معزل عن العالم. بل هو عرض حي لما تبدو عليه السيطرة الرقمية التي تفرضها الدولة في أشد صورها قسوةً، والثمن الإنساني الذي يدفعه المواطنون العاديون هو نتيجة مباشرة لتلك السيطرة. إن فهم ما يجري هناك، ولماذا يهم، هو جزء من المشاركة الواعية في النقاشات حول مستقبل الإنترنت المفتوح.




