واحدة من أطول حالات انقطاع الإنترنت الوطني في التاريخ

فرضت إيران ما بات يُعدّ الآن واحدًا من أطول حالات انقطاع الإنترنت الوطني المستمرة التي سُجِّلت على الإطلاق، إذ قطعت ما يقارب 90 مليون مواطن عن الإنترنت العالمي لأربعة أشهر متتالية. ليس هذا الانقطاع عطلًا مؤقتًا أو قيدًا وجيزًا مرتبطًا بحدث بعينه، بل هو فصل ممتد ومفروض من قِبَل الدولة عن الشبكة المفتوحة، وتداعياته تمتد إلى ما هو أبعد من النطاق السياسي بكثير.

يضع حجم هذا الانقطاع إيران في مصافٍ نادرة ومثيرة للقلق. فمعظم حالات قطع الإنترنت التي تأمر بها الحكومات تستمر لساعات أو أيام، وقليل منها يمتد لأسابيع. أما انقطاع يدوم أربعة أشهر ويطال أمة بأكملها من 90 مليون نسمة، فهو بكل المقاييس سابقة غير مسبوقة في نطاقها ومدتها.

التداعيات الاقتصادية حادة ومتصاعدة

وقع الضرر الأكثر فورية وقابلية للقياس على الاقتصاد الرقمي الإيراني. فقد اضطرت الشركات الصغيرة التي كانت تعتمد على الاتصال بالإنترنت في مبيعاتها وتواصلها ولوجستياتها إلى الإغلاق. وخسرت منصات التجارة الإلكترونية والعمال المستقلون ومزودو الخدمات الرقمية شهورًا من الإيرادات دون أي أفق واضح للانفراج.

حين تقطع حكومة ما الإنترنت، نادرًا ما تفعل ذلك بشكل نظيف وكامل. فالنتيجة ليست ببساطة "لا إنترنت"، بل بيئة مجزأة وغير متوقعة تعمل فيها بعض الخدمات بصورة متقطعة، وتُحجب أخرى بشكل دائم، فيما يتخبط المواطنون بحثًا عن حلول بديلة. وهذا التخبط بحد ذاته يُفرز اقتصادًا موازيًا، وفي الحالة الإيرانية أفضى إلى طلب واسع على الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) في السوق السوداء وعلى خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية.

ارتفعت أسعار الاثنين بشكل حاد. فالشبكات الافتراضية الخاصة التي ربما كانت متاحة بأسعار زهيدة أو مجانًا قبل الانقطاع باتت تُباع بأسعار مرتفعة عبر القنوات غير الرسمية. وأصبحت خدمات الوصول عبر الأقمار الصناعية، بما فيها الأجهزة المرتبطة بأنظمة كـ Starlink، سلعًا ثمينة. وبالنسبة للإيرانيين العاديين الذين لا يملكون دخلًا تقديريًا يُذكر، فإن هذه التكاليف باهظة لا تُطاق، أما من يستطيع تحملها فقد غدا الاتصال بالإنترنت بالنسبة له سلعة ترفيهية.

تجسّد هذه الديناميكية السعرية نمطًا متكررًا في كل حالات انقطاع الإنترنت الكبرى حول العالم: القيود لا تُلغي الطلب على الوصول المفتوح، بل تنقله فحسب إلى بدائل غير منظمة وأكثر خطورة وأعلى تكلفة في الغالب.

نظام شرائح "البيضاء": إنترنت ذو مستويين

ولعل أكثر المستجدات كشفًا في حالة الانقطاع الإيراني هو إطلاق الحكومة لنظام شرائح SIM "البيضاء" ذي المستويين. بموجب هذا النظام، يُمنح مسؤولون مختارون ومهنيون معيّنون وصولًا غير مقيد إلى الإنترنت العالمي، بينما يظل المواطنون العاديون محرومين من الاتصال.

يُجسّد هذا النموذج ذو المستويين بوضوح كيفية عمل التحكم الرقمي الاستبدادي على أرض الواقع. فالإنترنت لا يُحظر كليًا؛ إذ سيكون ذلك مُضرًا للغاية بالدولة نفسها. وبدلًا من ذلك، يتحول الوصول إلى امتياز توزعه الحكومة على أساس الولاء أو المنفعة أو المكانة. فيمكن للبيروقراطيين ووسائل الإعلام الرسمية والمهنيين المعتمدين العمل بصورة طبيعية، بينما لا يستطيع ذلك سائر الناس.

كما يدحض نظام شرائح "البيضاء" أي حجة تزعم أن الانقطاع ضرورة تقنية أو إجراء أمني يُطبَّق بالتساوي على الجميع. فهو أداة سياسية، وتصميمه يجعل هذه الوظيفة صريحة لا لبس فيها.

ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لك

قد يبدو هذا الوضع بعيدًا بالنسبة للقراء خارج إيران. غير أن الدروس التي يقدمها ذات صلة مباشرة بكل من يعتمد على الإنترنت المفتوح ويُقدّر قدرته على الوصول إليه.

أولًا، الوصول إلى الإنترنت ليس مكفولًا. يأخذ معظم الناس في الدول الديمقراطية الاتصال بالإنترنت أمرًا مسلَّمًا به، لكن البنية التحتية يمكن تقييدها أو تعطيلها أو تبطيئها على أي مستوى، من الحكومات الوطنية وصولًا إلى مزودي خدمة الإنترنت المحليين. إن فهم آلية عمل الشبكات الافتراضية الخاصة، والتوفر على واحدة منها جاهزة قبل الحاجة إليها، هو إجراء وقائي رقمي أساسي.

ثانيًا، يُبيّن الارتفاع الحاد في الطلب على شبكات VPN في السوق السوداء بإيران أن الطلب على أدوات الخصوصية والوصول المفتوح يتصاعد تحديدًا حين يغدو الحصول عليها أمرًا أشد صعوبة وأكثر خطورة في الوقت ذاته. فمن يحاول تثبيت شبكة VPN أو ضبط إعداداتها في ظل مراقبة نشطة ومتاجر تطبيقات مقيدة ومواقع مزودي خدمة VPN محجوبة، يواجه تحديات جسيمة مقارنة بمن أعد تلك الحماية مسبقًا.

ثالثًا، ينبغي أن يكون نظام شرائح "البيضاء" تذكيرًا بما يبدو عليه الإنترنت ذو المستويات حين تتحكم الحكومات في البنية التحتية. كثيرًا ما تظل نقاشات حياد الشبكة وممارسات بيانات مزودي الخدمة ومراقبة الحكومات في الدول الغربية نقاشات مجردة. أما الوضع الراهن في إيران فيُظهر في الواقع العملي كيف تبدو نهاية المطاف لسيطرة غير مقيدة على الاتصال.

خلاصات للقراء

  • استعد قبل أن تصل القيود. قم بتنزيل أدوات الخصوصية وتثبيتها واختبارها بينما لا يزال الوصول إليها غير مقيد.
  • افهم نموذج تهديدك. يواجه المواطنون الإيرانيون قيودًا على مستوى الانقطاع الكامل. أما معظم مستخدمي الغرب فيواجهون مشكلات أكثر دقة كجمع البيانات وتتبع مزودي الخدمة، غير أن الأدوات التي تعالج الحالتين تتداخل تداخلًا كبيرًا.
  • تابع تقارير حالات الانقطاع. تتتبع منظمات كـ NetBlocks وAccess Now انقطاعات الإنترنت على مستوى العالم وتوفر بيانات فورية عن حالات الانقطاع. يُعينك البقاء على اطلاع على استباق الأنماط.
  • تعرّف على مقترحات الوصول المتدرج. حين تقترح الحكومات أو مزودو خدمة الإنترنت أنظمة تمنح اتصالًا تفضيليًا لمستخدمين أو خدمات بعينها، فإن نموذج شرائح "البيضاء" الإيراني مرجع مفيد لمعرفة أين يُفضي ذلك المنطق.

يُمثّل انقطاع الإنترنت في إيران أزمة إنسانية واقتصادية للناس الذين يعيشون تداعياته. كما يُعدّ أحد أكثر الأمثلة توثيقًا لما تكلفه الحكومة على المجتمع حين تسيطر على البنية التحتية الرقمية فعليًا. وهذا السجل يستحق الاهتمام، أينما كنت.