إيران تبني نظاماً طبقياً للإنترنت

يُعدّ نظام الإنترنت برو الجديد في إيران من أوضح الأمثلة على كيفية إعادة الحكومات الاستبدادية هيكلة الوصول إلى الإنترنت بوصفه امتيازاً لا حقاً. في أعقاب انقطاع الإنترنت لمدة 54 يوماً، بدأت السلطات الإيرانية بتقنين نموذج وصول متعدد المستويات يشترط التحقق من الهوية المهنية ودفع رسوم باهظة قبل تمكين المستخدمين من الوصول إلى الإنترنت العالمي. بالنسبة لغالبية الإيرانيين العاديين، لا يزال الوصول إلى الويب غير المقيد بعيد المنال. أما الشركات التي تحظى بموافقة الدولة والأفراد الخاضعون للتدقيق، فبإمكانهم الوصول إليه مقابل ثمن. وقد بدأ المنتقدون يطلقون على هذا الترتيب اسم "الإقطاعية الرقمية"، ولا يصعب فهم السبب.

المقارنة بالإقطاعية أبعد من كونها مجرد بلاغة. في الأنظمة الإقطاعية، كان الوصول إلى الأرض والموارد والفرص رهيناً بمكانة الفرد لدى السلطة الحاكمة. يعمل نموذج الإنترنت برو الإيراني بالمنطق ذاته: علاقتك بالدولة هي التي تحدد حقوقك الرقمية. من يستوفون الشروط، عبر المهن المعتمدة واستعداد لدفع رسوم مرتفعة، يحصلون على الوصول. أما الجميع الآخرون، فيكتفون بشبكة إنترانت مفلترة ومقيدة تسيطر عليها الحكومة.

ما الذي يفعله نظام الإنترنت برو فعلياً

تتمحور آليات الإنترنت برو حول عائقين: الهوية والتكلفة. للتأهل للوصول إلى الإنترنت العالمي، يجب على المستخدمين الخضوع للتحقق المهني، وإثبات انتمائهم إلى فئة مهنية معترف بها من قِبَل الدولة. وهذا ليس فحصاً محايداً للأوراق الثبوتية، بل هو آلية لتصنيف السكان إلى من تثق بهم الحكومة ومن لا تثق بهم.

يُضاف إلى عائق الهوية عائق مالي يُعمّق الأثر. إذ تجعل الرسوم المرتفعة الخدمة بعيدة عن متناول الإيرانيين ذوي الدخل المنخفض بصرف النظر عن وضعهم المهني. والنتيجة منظومة مُصنَّفة وفق المكانة السياسية والقدرة الاقتصادية في آنٍ واحد. فالمهنيون الأثرياء المنحازون للدولة يمكنهم الوصول إلى الإنترنت ذاته الذي يستخدمه بقية العالم، بينما يُترك المواطنون العاديون لما تسمح به جدران الحماية الوطنية بالمرور.

لم تنشأ هذه البنية من فراغ. فالانقطاع الذي دام 54 يوماً والذي سبقها يدل على أن السلطات لم تكن تُدير أزمة مؤقتة فحسب، بل كانت تهيئ الظروف التي يبدو في ظلها النظام الطبقي الدائم تحسيناً على ما سبق. فبعد قرابة شهرين دون وصول موثوق، يمكن تصوير مستوى وصول متميز مقيد على أنه توسيع للوصول لا تقنين للرقابة.

لماذا يهمّ هذا النموذج خارج إيران

إيران ليست الدولة الوحيدة التي تجرّب بنى إنترنت خاضعة للسيطرة. فروسيا استثمرت بكثافة في بنية تحتية مصممة لتمكين شبكة محلية من العمل باستقلالية عن الإنترنت العالمي. وقد عمل جدار الحماية العظيم في الصين منذ أمد بعيد حاجزاً انتقائياً يمكن تجاوزه جزئياً من قِبَل الشركات التي تمتلك العلاقات والموارد الملائمة. ما تفعله إيران مع الإنترنت برو هو جعل الطابع الطبقي لهذه الأنظمة صريحاً وبيروقراطياً.

بالنسبة لمناصري الخصوصية ومنظمات الحقوق الرقمية، يمثّل هذا تصعيداً ملحوظاً. إذ تعمل معظم أنظمة تقييد الإنترنت عبر الفلترة والحجب، مما يخلق عوائق دون تقنين كامل لمن يستحق الوصول. يتجه الإنترنت برو نحو شيء أكثر رسمية: إطار قانوني يُعدّ فيه الوصول المتدرج السياسة الرسمية لا مجرد نتيجة غير رسمية للبنية التحتية للرقابة.

لطالما كانت الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) أدوات عملية للأفراد الساعين إلى الوصول إلى الإنترنت المفتوح في البيئات المقيدة. فمن خلال تشفير حركة البيانات وتوجيهها عبر خوادم في دول أخرى، تتيح شبكات VPN للمستخدمين تجاوز الفلاتر الوطنية. في سياقات مثل إيران، حيث تعمل الدولة بنشاط على بناء حواجز بين المواطنين والإنترنت العالمي، تصبح هذه الوظيفة ذات أهمية حقيقية. غير أنه تجدر الإشارة إلى أن السلطات الإيرانية عملت أيضاً على تقييد استخدام شبكات VPN، والمخاطر التقنية والقانونية على المستخدمين داخل البلاد حقيقية وجدية.

ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لك

إن كنت تعيش خارج إيران، فقد يبدو نظام الإنترنت برو بعيداً عنك. لكن البنية التي تُشيَّد هناك تعكس اتجاهاً أوسع يستحق الاهتمام. فحكومات حول العالم تستثمر في القدرة التقنية اللازمة لتقسيم الوصول إلى الإنترنت ومراقبته والتحكم فيه. والأدوات والأطر القانونية التي تُطوَّر في بلد ما تميل إلى الانتشار.

لأي شخص يهتم بحرية الإنترنت، فإن فهم كيفية عمل أنظمة الوصول المتدرج هو الخطوة الأولى. إن معرفة الدول التي تشغّل جدران حماية وطنية، وكيف تعمل هذه الأنظمة، وما هي الأدوات المتاحة للتعامل معها، بات أمراً ذا أهمية متزايدة للمسافرين والصحفيين والباحثين وكل من يعتمد على الإنترنت المفتوح في عمله أو حياته الشخصية.

إن مفهوم الإنترنت بوصفه شبكة واحدة يمكن الوصول إليها على المستوى العالمي هو شيء كثير من الناس يأخذونه أمراً مسلماً به. ونظام الإنترنت برو الإيراني تذكير بأن ذلك ليس حتمية تقنية، بل هو شرط سياسي يستلزم صيانة مستمرة.

النقاط الرئيسية

  • يُقنّن نظام الإنترنت برو الإيراني الوصول المتدرج إلى الإنترنت استناداً إلى التحقق من الهوية والرسوم، مما يُفضي فعلياً إلى نموذج طبقي يحدد من يمكنه الوصول إلى الإنترنت العالمي.
  • يصف المنتقدون النظام بالإقطاعية الرقمية، حيث تحدد المكانة السياسية والإمكانات الاقتصادية الحقوق الرقمية.
  • يوحي انقطاع الإنترنت لمدة 54 يوماً الذي سبق تقنين النظام ببناء سياسة متعمدة لا استجابة لأزمة طارئة.
  • تشير مشاريع بنية تحتية مماثلة في روسيا والصين إلى أن هذا جزء من اتجاه عالمي نحو بنى إنترنت خاضعة لسيطرة الدولة.
  • إن فهم آلية عمل هذه الأنظمة والأدوات المتاحة للتعامل معها بات أمراً بالغ الأهمية لكل من يُقدّر الوصول إلى إنترنت مفتوح.

إن صعود نظام الإنترنت برو في إيران يستحق الاهتمام ليس فقط بوصفه مصدر قلق حقوقي، بل بوصفه مقدمة لما يصبح ممكناً حين تتعامل الحكومات مع الوصول إلى الإنترنت على أنه مورد يُجرى توزيعه بحصص لا حق يجب حمايته. إن البقاء مطّلعاً على كيفية بناء هذه الأنظمة وما تعنيه للمستخدمين العاديين هو من أعملي الأشياء التي يمكن لأي شخص مهتم بالحرية الرقمية القيام بها.