روسيا تتحرك لتقييد وصول المواطنين إلى الشبكات الافتراضية الخاصة

تصعّد روسيا جهودها للسيطرة على ما يمكن للمواطنين الوصول إليه عبر الإنترنت، إذ أعلن وزير التنمية الرقمية مكسوت شادايف عن استراتيجية رسمية لـ"الحد من استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة" في جميع أنحاء البلاد. وتشمل الإجراءات المقترحة التزامات حجب جديدة للمواقع الإلكترونية، ورسوماً محتملة تستهدف المستخدمين الذين يستهلكون أكثر من 15 غيغابايت من البيانات الدولية شهرياً، فضلاً عن متطلبات تُلزم المنصات الرقمية الكبرى بالكشف عن المستخدمين المشتبه في استخدامهم للشبكات الافتراضية الخاصة وحجبهم. ويُمثّل هذا الإعلان خطوة تتجاوز القيود المفروضة على الإنترنت حالياً بشكل ملحوظ، ويُشير إلى نهج تطبيقي أكثر عدوانية من جانب السلطات الروسية.

وقد تصرّفت شركة آبل بالفعل استجابةً لجانب من هذا الضغط، إذ أزالت عدداً من تطبيقات الشبكات الافتراضية الخاصة المخصصة من متجر App Store الروسي، وذلك بعد طلبات من Roskomnadzor، جهاز تنظيم وسائل الإعلام الحكومي في روسيا. وقد أثّرت هذه الخطوة وحدها على ملايين المستخدمين الذين اعتمدوا على تلك الأدوات للوصول إلى الخدمات المحجوبة من قبل الحكومة الروسية، بما فيها تطبيق تيليغرام.

كيف ستعمل القيود المقترحة

يعمل الإطار المقترح على مستويات متعددة، إذ يستهدف الأدوات والسلوكيات المرتبطة باستخدام الشبكات الافتراضية الخاصة في آنٍ واحد.

بموجب هذه الخطط، قد تواجه المواقع الإلكترونية التزامات جديدة بحجب الزوار المُحدَّد أنهم يستخدمون شبكة افتراضية خاصة. وهذا يُحوّل مسؤولية التطبيق إلى مشغّلي المنصات بدلاً من إلقاء العبء الكامل على مزودي خدمة الإنترنت. وبالنسبة للمستخدمين، فإن تجاوز حد الـ15 غيغابايت الشهري من حركة البيانات الدولية قد يُفضي إلى فرض رسوم، مما يُعاقب فعلياً أنماط التصفح المرتبطة بأدوات التحايل.

يُعدّ إلزام المنصات بالكشف عن مستخدمي الشبكات الافتراضية الخاصة وحجبهم أمراً تقنياً صعباً، غير أنه ليس مستحيلاً. إذ يمكن للفحص العميق للحزم وتقنيات تحليل حركة البيانات الأخرى تحديد اتصالات الشبكات الافتراضية الخاصة بدرجات متفاوتة من الدقة. وقد نشرت دول من بينها الصين وإيران تقنيات مماثلة على نطاق واسع، فيما تستثمر روسيا في البنية التحتية للإنترنت السيادي منذ إصدارها تشريع "روسنت" عام 2019.

أما إزالة تطبيقات الشبكات الافتراضية الخاصة من متجر التطبيقات، فهي آلية تطبيق أكثر مباشرةً. فبدون الوصول إلى أدوات التحايل عبر قنوات التوزيع الرئيسية، سيواجه كثير من المستخدمين، ولا سيما من هم أقل خبرة تقنية، عقبات أكبر بكثير أمام تجاوز القيود الحكومية.

السياق الأشمل: نمط عالمي من القيود على الشبكات الافتراضية الخاصة

لا تتصرف روسيا في معزل عن غيرها. فقد طبّقت حكومات في الصين وإيران وبيلاروسيا وعدة دول أخرى درجات متفاوتة من القيود على الشبكات الافتراضية الخاصة على مدار العقد الماضي. والقاسم المشترك بينها هو الرغبة في الحفاظ على السيطرة على تدفق المعلومات وتقييد الوصول إلى المحتوى الذي يُشكّك في الروايات الرسمية أو يتجاوز أنظمة الرقابة.

ما يجعل النهج الروسي الراهن لافتاً للنظر هو مزجه بين عدة أساليب. فبدلاً من الاعتماد فقط على الحجب التقني، تُضاف إلى الاستراتيجية عقوبات مالية وتطبيق على مستوى المنصات وإزالة من متاجر التطبيقات. وهذا النهج متعدد المحاور مُصمَّم لرفع تكلفة التحايل وتعقيده أمام المستخدمين العاديين، حتى لو تمكّن الأفراد المُصرّون الذين يمتلكون معرفة تقنية من إيجاد طرق للتحايل على هذه القيود.

ويُعدّ استهداف تيليغرام سياقاً مهماً في هذا الشأن. فقد كان تيليغرام محجوباً في روسيا بين عامَي 2018 و2020 قبل رفع الحظر عنه، ولا يزال منصة رئيسية للأخبار المستقلة والتنظيم السياسي. وتقييد الوصول إلى الشبكات الافتراضية الخاصة هو، جزئياً، وسيلة للحد من الوصول إلى منصات كتيليغرام التي باتت قنوات معلوماتية مهمة خارج نطاق وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة.

ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لك

إذا كنت خارج روسيا، فلا تزال هذه التطورات ذات صلة بك. فهي تُوضّح مدى سرعة وحسم تحرّك الحكومات لتقييد الوصول إلى أدوات الخصوصية حين تدفعها دوافع سياسية. وإزالة التطبيقات من متاجرها، وتحديد حصص البيانات، والحجب على مستوى المنصات، كلها آليات يمكن نظرياً تطبيقها في سياقات قانونية أخرى.

أما بالنسبة للناس داخل روسيا، فالتداعيات العملية بالغة الأهمية. إذ يزداد صعوبةً الوصول إلى الصحافة المستقلة ومنصات التواصل وأدوات الخصوصية الأساسية. ويواجه أولئك الذين يعتمدون على الشبكات الافتراضية الخاصة لأغراض مشروعة، من بينهم الصحفيون والناشطون والباحثون والمواطنون العاديون الذين يريدون ببساطة قراءة أخبار غير خاضعة للرقابة، بيئةً مُقيِّدة تزداد ضيقاً.

وبالنسبة للجميع، يُشكّل هذا تذكيراً بأن الوصول إلى أدوات الخصوصية ليس مكفولاً. فالبنية التحتية التي تدعم الإنترنت المفتوح يمكن تفكيكها من خلال مزيج من الضغط التنظيمي والامتثال المؤسسي والتطبيق التقني.

خلاصات قابلة للتطبيق

  • ابقَ على اطّلاع بلوائح الشبكات الافتراضية الخاصة في بلدك. تتباين القوانين المنظِّمة لاستخدام هذه الشبكات تبايناً ملحوظاً، وهي عرضة للتغيير. فهم البيئة القانونية التي تعيش فيها هو الخطوة الأولى لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن أدوات الخصوصية.
  • تنوّع في مصادر تطبيقاتك حيث يُسمح بذلك قانوناً. الاعتماد على متجر تطبيقات واحد فقط للحصول على أدوات الأمان يُفضي إلى نقطة فشل واحدة في حال حدوث عمليات إزالة.
  • افهم كيف تتعامل شبكتك الافتراضية الخاصة مع حركة البيانات. ليست جميع بروتوكولات الشبكات الافتراضية الخاصة متساوية في مقاومة الاكتشاف. وإذا كنت في بيئة مقيِّدة، فابحث عن البروتوكولات الأقل عرضة للرصد عبر أنظمة الفحص العميق للحزم.
  • تابع المستجدات المتعلقة بحرية الإنترنت. تنشر المنظمات المتخصصة في رصد رقابة الإنترنت تقارير دورية حول الدول التي تفرض قيوداً على الوصول إلى محتوى معين. ويمكن لهذه التقارير أن تساعدك على استشراف التغييرات قبل أن تمسّك مباشرةً.

تُشكّل القيود الروسية المتصاعدة على الشبكات الافتراضية الخاصة إشارة واضحة إلى أن الوصول إلى أدوات الخصوصية لا يمكن اعتباره أمراً مضموناً. سواء كنت متأثراً بذلك مباشرةً أم لا، فإن فهم آلية عمل هذه الأنظمة، وكيفية تفكيكها، يُعدّ جزءاً مهماً من التعامل مع إنترنت باتت الانفتاحية فيه موضع جدل متزايد.