تتصدر الهجمات الإلكترونية التي تستهدف مستخدمي واتساب عناوين الأخبار مجدداً بعد أن أصدر رئيس مرصد المحتوى الرقمي تحذيراً عاماً بشأن التزايد المتطور في هذه الحملات. ويتمحور القلق حول تهديد مألوف لكنه لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ: الثغرات الأمنية صفرية الأيام، وهي نوع العيوب التي تتيح للمهاجمين تجاوز الدفاعات قبل أن يدرك أي شخص وجود مشكلة أصلاً.

ووفقاً للتحذير، فإن جهات معينة أصبحت أكثر قدرة على استغلال ثغرات تقنية متقدمة للوصول إلى الهواتف وحسابات المراسلة. وقد جعل صعود أدوات برمجيات التجسس التجارية هذا النوع من الاختراق أكثر تيسراً، ليس فقط للجهات الحكومية المتطورة بل لمجموعة أوسع من الجماعات التي تملك الموارد اللازمة لشراء أو بناء سلاسل استغلال.

ما الذي يجعل هجمات صفرية الأيام خطيرة إلى هذا الحد؟

الثغرة الأمنية صفرية الأيام، كما يوحي المصطلح، تشير إلى عيب أمني غير معروف لمطور البرمجيات، أو عيب لم يُصدر له إصلاح بعد. والفجوة بين الاكتشاف والتصحيح هي بالضبط ما يستغله المهاجمون. ولأن البائع لم تتوفر له أيام للاستجابة، فلا يوجد تحديث متاح لإغلاق الباب، مما يترك المستخدمين معرضين للخطر حتى يتم تحديد العيب ومعالجته.

وبالنسبة لتطبيق مثل واتساب، الذي يعد القناة الأساسية للتواصل لأكثر من ملياري شخص حول العالم، فإن ثغرة واحدة غير مُصححة قد تكون لها عواقب هائلة. وتُعد تطبيقات المراسلة أهدافاً جذابة على وجه التحديد لأنها تحمل محادثات حساسة وشبكات تواصل ووسائط مشتركة، وتعمل بشكل متزايد كبوابة لحسابات أخرى عبر أنظمة التحقق المرتبطة. وعندما يتم الجمع بين ثغرة صفرية الأيام وبرمجيات تجسس، يمكن أن تكون النتيجة هجوماً لا يتطلب أي إجراء واضح من الضحية على الإطلاق، لا رابط تم النقر عليه ولا ملف تم تنزيله، فقط نسخة ضعيفة من التطبيق تعمل بهدوء في الخلفية.

لماذا تغير برمجيات التجسس مشهد التهديدات؟

يشير تحذير مرصد المحتوى الرقمي إلى اتجاه أوسع أشار إليه باحثو الأمن مراراً: تسليع برمجيات التجسس. فما كان يوماً مجالاً حصرياً لوكالات استخباراتية ممولة جيداً أصبح سوقاً يبيع فيه مطورو الاستغلال الوصول إلى الثغرات، وتقوم شركات برمجيات التجسس بتغليف تلك الاستغلالات في أدوات يمكن استخدامها ضد الصحفيين والنشطاء والمسؤولين التنفيذيين أو المستخدمين العاديين الذين يقعون في حملة مستهدفة.

ويعكس هذا التحول أنماطاً شوهدت في أماكن أخرى من العالم. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، أظهرت بيانات حديثة أن أجهزة الاستخبارات الأجنبية ارتبطت بأكثر من ثلث الهجمات الإلكترونية المنسوبة، مما يؤكد كيف أن الجهات المرتبطة بالدول أصبحت أكثر استعداداً للاستثمار في النوع من القدرات التقنية اللازمة لاستغلال منصات المراسلة. كما تعمل الحكومات نفسها على توسيع نطاق وصولها الاستقصائي إلى حوادث الأمن السيبراني للشركات، كما شوهد في كوريا الجنوبية حيث حصلت سلطات الاستخبارات على صلاحيات جديدة للتحقيق في الاختراقات بناءً على مجرد الاشتباه. ويشير الاتجاهان إلى الواقع نفسه: الخط الفاصل بين الاستغلال الإجرامي والتجسس المؤسسي والمراقبة الحكومية أصبح غير واضح بشكل متزايد.

كما يجدر ملاحظة حجم التعرض للخطر. فقد أظهرت بيانات مجمعة في فرنسا أكثر من 145 مليون حالة تعرض للبيانات على مدى عامين، وهو تذكير بأن اختراقات تطبيقات المراسلة نادراً ما تحدث بمعزل عن غيرها. وبمجرد أن يحصل المهاجم على الوصول إلى هاتف، فإنه غالباً ما ينتقل نحو الحسابات المرتبطة والنسخ الاحتياطية السحابية والملفات الشخصية، مما يضاعف الضرر إلى ما هو أبعد بكثير من الاختراق الأولي.

ماذا يعني هذا بالنسبة لك؟

معظم مستخدمي واتساب ليسوا الهدف المباشر لحملة برمجيات تجسس تابعة لدولة، لكن هذا لا يعني أن التحذير غير ذي صلة بالمستخدمين العاديين. تميل هجمات صفرية الأيام إلى البدء بشكل ضيق، مستهدفة أهدافاً عالية القيمة مثل الصحفيين أو المعارضين أو المسؤولين التنفيذيين في الشركات، قبل أن تتسرب التقنيات أو يُعاد استخدامها لعمليات احتيال مالي أوسع. الدرس العملي هو أن عادات التحديث أهم مما يدركه معظم الناس. كل تأخير في تحديث واتساب هو يوم إضافي تبقى فيه ثغرة معروفة أو مشتبه بها مفتوحة على جهازك.

ومن الجدير أيضاً تذكر أن الثغرات صفرية الأيام، بحكم تعريفها، لا يمكن الدفاع ضدها من خلال يقظة المستخدم وحدها. لا قدر من الحذر يوقف استغلالاً لا يتطلب نقرة. ولهذا السبب يقع جزء من المسؤولية على مشغلي المنصات للتصحيح بسرعة وشفافية، وجزء آخر على المستخدمين لإبقاء برامجهم محدثة بحيث عندما يتم إصدار إصلاح، يصل فعلاً إلى أجهزتهم.

خطوات عملية لتقليل المخاطر

بعض العادات تقلل بشكل ملموس من التعرض للخطر حتى ضد التهديدات المتطورة. اجعل واتساب ونظام تشغيل هاتفك مضبوطين على التحديث التلقائي بدلاً من اليدوي. أعد تشغيل جهازك بانتظام، لأن بعض سلالات برمجيات التجسس لا تستمر عبر عمليات إعادة التشغيل. راجع الأجهزة المرتبطة والجلسات النشطة ضمن إعدادات واتساب بشكل دوري، وأزل أي شيء غير مألوف. إذا كنت تتعامل مع اتصالات حساسة بشكل مهني، ففكر في تفعيل حمايات إضافية على مستوى الجهاز تقدمها الشركة المصنعة لهاتفك، والمصممة خصيصاً لمواجهة برمجيات التجسس المتقدمة.

إن تحذير مرصد المحتوى الرقمي لا يتعلق بحادثة واحدة بقدر ما يتعلق بنمط مستمر: هجمات صفرية الأيام على منصات المراسلة لن تختفي، والأدوات اللازمة لتنفيذها أصبحت أسهل في الحصول عليها. البقاء على اطلاع دائم بالتحديثات، ومراقبة نشاط حسابك، والتعامل مع سلوك التطبيق غير المتوقع على أنه يستحق التحقيق، كلها طرق بسيطة وفعالة للبقاء في صدارة تهديد لا يعطي، بطبيعته، إلا القليل من التحذير قبل أن يضرب.