انقطاع الإنترنت في إيران يبلغ 44 يومًا دون أفق واضح للحل

استمر انقطاع الإنترنت على مستوى إيران بأكملها 44 يومًا حتى الآن، مما يجعله واحدًا من أطول حالات الانقطاع المتواصلة التي سُجّلت على الإطلاق في مجتمع متصل بالشبكة. في ظل غياب أي جدول زمني واضح للاستعادة أعلنته السلطات، لا يزال الملايين من المواطنين معزولين عن الإنترنت العالمي، فيما تتفاقم التداعيات على الحياة اليومية والنشاط الاقتصادي والحقوق الرقمية الأساسية.

جاء هذا الانقطاع في أعقاب تصعيدات عسكرية إقليمية، ويمثّل تصعيدًا بالغ الأهمية في أسلوب توظيف الحكومات للسيطرة على البنية التحتية بوصفها أداةً للإدارة السياسية.

ما هو نظام "الإنترنت المتدرج" في إيران؟

بدلًا من انقطاع بسيط بين التشغيل والإيقاف، أدخلت السلطات الإيرانية ما بات يُعرف بنظام "الإنترنت المتدرج". وبموجب هذا الإطار، لا يكون الوصول إلى المحتوى الدولي على الإنترنت متماثلًا للجميع، بل يُوزَّع وفقًا لما يُرى من توافق المستخدم مع الروايات الرسمية للحكومة.

على الصعيد العملي، يعني ذلك أن بعض الأفراد أو المؤسسات الذين تعتبرهم الدولة موالين لها قد يحتفظون بإمكانية وصول أوسع، في حين يواجه المواطنون العاديون قيودًا صارمة على الوصول إلى المواقع الدولية ومصادر الأخبار ومنصات التواصل وغيرها من الخدمات المستضافة خارج إيران.

يمثّل هذا النوع من الوصول المتدرج والمُعيَّر سياسيًا شكلًا أكثر تطورًا من أشكال السيطرة على الإنترنت مقارنةً بالانقطاع الشامل. إذ يُفرز بيئة معلوماتية ذات مستويين، يصبح فيها الوصول إلى المعلومات الخارجية امتيازًا لا حقًا، وتُشكَّل فيها تدفقات المعلومات بما يُعزز وجهات النظر التي تُقرّها الدولة.

التكلفة الإنسانية والاقتصادية

تنطوي حالات انقطاع الإنترنت على تكاليف باهظة تتجاوز بكثير مجرد الإزعاج. فالشركات التي تعتمد على الاتصالات الدولية أو معالجة المدفوعات أو الأدوات السحابية تجد نفسها مشلولة فعليًا. أما العاملون المستقلون والصحفيون والباحثون والأكاديميون وكل من يعتمد على الاتصال العالمي، فيواجهون اضطرابًا حادًا في عملهم ودخلهم.

وبالنسبة للمواطنين العاديين، فإن التكاليف الشخصية لا تقل وطأة. إذ تفقد الأسر المتفرقة عبر الحدود وسائل موثوقة للتواصل، وينقطع وصولهم إلى الأخبار الدولية والمعلومات الصحية والموارد التعليمية. كما يغدو توثيق الأحداث داخل البلاد والإبلاغ عنها، وهو ما يعتمد في الغالب على الإنترنت، أمرًا بالغ الصعوبة.

وقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان منذ أمد بعيد استخدام انقطاعات الإنترنت أداةً لقمع الاحتجاجات وتقييد التقارير المستقلة والحدّ من الرؤية على الأعمال التي تقوم بها الدولة إبّان فترات الاضطراب أو النشاط العسكري. ويندرج الانقطاع الحالي في إيران ضمن هذا النمط الأشمل.

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لك؟

إن كنت خارج إيران، فهذا الوضع يذكّرك بمدى السرعة والشمولية التي يمكن للحكومات من خلالها تقييد البنية التحتية التي تقوم عليها الحياة الحديثة. فالوصول إلى الإنترنت ليس أمرًا مضمونًا، وفي أجزاء كثيرة من العالم يخضع لإدارة فعلية أو تصفية أو انقطاع تام بوصفه سياسةً مقصودة.

أما أولئك الموجودون داخل إيران أو في بيئات مقيّدة على غرارها، فخياراتهم محدودة لكنها ليست معدومة كليًا. إذ يمكن لأدوات التحايل، بما فيها الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وغيرها من تقنيات الخصوصية، أن تتيح في بعض الأحيان للمستخدمين الوصول إلى المحتوى المحجوب عبر توجيه حركة المرور عبر خوادم في دول أخرى. غير أن فاعلية هذه الأدوات تتوقف إلى حدٍّ بعيد على مدى قوة الحجب الحكومي لها، كما قد ينطوي استخدامها على مخاطر قانونية أو شخصية في البلدان ذات قوانين الإنترنت الصارمة.

وبالنسبة للمراقبين في أماكن أخرى، يطرح الانقطاع في إيران تساؤلات جوهرية حول صمود الحقوق الرقمية على المستوى العالمي. فقد لجأت حكومات في مناطق متعددة إلى قطع الإنترنت خلال الانتخابات والاحتجاجات والنزاعات. والسابقة التي تُرسَّخ في كل مرة يقع فيها انقطاع دون عواقب دولية تُذكر تجعل الانقطاع التالي أكثر ترجيحًا.

خلاصات عملية

  • ابقَ مطّلعًا: تابع منظمات حقوق الإنسان والحقوق الرقمية الموثوقة التي ترصد انقطاعات الإنترنت على مستوى العالم. تنشر مجموعات مثل NetBlocks وAccess Now بيانات فورية حول اضطرابات الاتصال في شتى أنحاء العالم.
  • افهم حقوقك الرقمية: تعرّف على قوانين الإنترنت وأطر الرقابة في أي بلد تعيش فيه أو تعمل به أو تزوره.
  • ادعم حرية الصحافة: يعتمد الصحفيون ومنظمات المجتمع المدني العاملون في ظل قيود على الإنترنت على الاهتمام الدولي والدعم لمواصلة عملهم.
  • فكّر بعين ناقدة في قضية الاتصال: قد يبدو الإنترنت دائمًا وشاملًا، لكن انقطاع إيران تذكير ملموس بأن الوصول هش وذو طابع سياسي.

إن انقطاع الإنترنت في إيران لمدة 44 يومًا ليس مجرد حكاية عن السياسات الداخلية لدولة واحدة. إنه إشارة إلى المسار الذي تتجه إليه الحقوق الرقمية على المستوى العالمي حين لا تواجه الحكومات أي قيود ذات معنى على توظيف الاتصال رافعةً للسيطرة. إن الانتباه والتوعية والمناصرة من أجل معايير إنترنت مفتوح هي أهم الاستجابات المتاحة لأولئك منّا الذين لا يزالون يتمتعون بالوصول.