إيران تنهي حجب الإنترنت لستة أسابيع بشروط مقيّدة
بعد ستة أسابيع من انقطاع الإنترنت على مستوى البلاد، بدأت إيران في استعادة اتصال محدود من خلال ما تسميه حزمة "الإنترنت المؤيد". المشكلة: أن الوصول لا يُعاد تشغيله ببساطة. فالشركات والأفراد الراغبون في إعادة الاتصال مُلزَمون بالخضوع لعملية رسمية للتحقق من الهوية، وتقديم وثائق توضّح سبب حاجتهم إلى الإنترنت. ولا يُمنح الاتصال إلا لمن يجتاز هذه العملية ويُدرج اسمه على قائمة معتمدة.
يبدو أن الدافع الفوري اقتصادي بالدرجة الأولى. إذ يُلقي انقطاع الإنترنت الكلي والمطوّل بتكاليف ملموسة على قطاع الأعمال في أي بلد، وإيران ليست استثناءً. إن السماح باستئناف بعض التجارة عبر الإنترنت يساعد في الحدّ من هذه الخسائر. غير أن منظمات حقوق الفضاء الرقمي تُثير مخاوف جدية حول ما تُرسيه هذه الاستعادة الانتقائية على المدى البعيد.
ما الذي يعنيه فعلاً إنترنت "القائمة البيضاء"؟
يشير مصطلح "إنترنت القائمة البيضاء" إلى نظام يُمنح فيه الوصول افتراضياً للمستخدمين المعتمدين مسبقاً فحسب، بدلاً من أن يكون مفتوحاً للجميع. فكل شخص يتصل في إطار هذه المنظومة قد جرى التعرف عليه والتحقق من هويته والحصول على إذن الدولة مسبقاً. وهذا هيكل مغاير جذرياً للطريقة التي ينبغي أن يعمل بها الإنترنت المفتوح.
تحذّر مجموعات حقوق الفضاء الرقمي من أن هذا النهج لا يستعيد الوصول إلى الإنترنت فحسب، بل يُعيد بناءه على أساس من البنية التحتية للمراقبة. فحين تُربط الهوية بالاتصال على مستوى البنية التحتية، تحصل الحكومة على سجل دائم بمن هو متصل، ومتى، ومن أين. ويغدو إخفاء الهوية مستحيلاً هيكلياً لأي شخص يستخدم القناة المعتمدة. وعملية التحقق التي تبدو عائقاً إدارياً لمرة واحدة تُنشئ في الواقع علاقة بيانات دائمة بين المستخدم والدولة.
وهذا ليس إجراءً طارئاً مؤقتاً سيتلاشى حين تعود الأوضاع إلى طبيعتها. فالبنية التحتية المُشيّدة بهذه الطريقة تميل إلى الاستمرار. إذ لا تختفي الأنظمة وقواعد البيانات والإجراءات المُنشأة لإدارة إنترنت القائمة البيضاء بمجرد انتهاء الأزمة الآنية، بل تصبح الوضع الطبيعي الجديد.
نظام متعدد المستويات يُقصي عامة السكان
ثمة بُعد آخر لهذا التطور يتعلق بمن يقع خارج نطاقه. فحزمة "الإنترنت المؤيد" مخصصة صراحةً لشركات وأفراد بعينهم يستطيعون تبرير حاجتهم واجتياز التحقق. وهذه الصياغة تعني ضمنياً أن شريحة واسعة من عامة السكان تظل مقطوعة عن الإنترنت أو تواجه عقبات جسيمة أمام إعادة الاتصال.
يُفرز هذا نظاماً إنترنتياً ذا مستويين: مستوى للمشاركين الذين جرى فحصهم ومراقبتهم ويُسمح لهم بالانخراط في الاقتصاد الرقمي، ومستوى آخر من الإقصاء لسائر الناس. ويصبح الوصول امتيازاً مرهوناً بالكشف عن الهوية لا حقاً أساسياً. وبالنسبة للصحفيين والناشطين والباحثين والمواطنين العاديين الذين لديهم مسوّغات للحذر من تسجيل هويتهم لدى الدولة، يطرح هذا النظام خياراً صارماً: الامتثال والخضوع للمراقبة، أو البقاء منفصلاً.
طالما حذّر المدافعون عن حقوق الفضاء الرقمي من أن انقطاع الإنترنت ليس مجرد اضطراب. إنه أداة للسيطرة السياسية. والطريقة التي يُستعاد بها الوصول قد تكون بالغة الأثر بقدر الانقطاع ذاته.
ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لك؟
قد يبدو الوضع في إيران بعيداً، لكنه يُجسّد ديناميكية أشمل تستحق الفهم. فقد أثبتت الحكومات استعدادها لمعاملة البنية التحتية للإنترنت بوصفها رافعة للمراقبة والسيطرة، لا سيما في أوقات التوتر السياسي أو النزاعات. والآليات التقنية والإدارية التي تنتهجها إيران ليست حكراً عليها؛ إذ توجد أشكال مماثلة من الوصول المتدرج المرتبط بالهوية أو تجري استحداثها في بلدان عدة.
بالنسبة لكل من يعيش في ظل مثل هذا النظام أو يخشى تطبيقه، فإن التداعيات مباشرة. فالاتصال عبر قناة معتمدة من الدولة ومرتبطة بالهوية يعني أن نشاطك على الإنترنت مرئي وقابل للإسناد إليك بطبيعة تصميمه. وتصبح الأدوات التي تُشفّر حركة البيانات وتُخفي الهوية، كالشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وشبكة Tor، أموراً جوهرية لا مجرد وسائل راحة، بل حمايات أساسية. والجدير بالذكر أن الحكومات التي تُشغّل هذه الأنواع من الأنظمة كثيراً ما تسعى إلى حجب مثل هذه الأدوات أو تجريمها، مما يرفع الرهانات أكثر.
وحتى بالنسبة لمن ليسوا في مثل هذه البيئة حالياً، يُذكّرنا هذا التطور بأن الوصول إلى الإنترنت ليس محايداً أو خاصاً بطبيعته. فالبنية التحتية التي تتصل من خلالها تُحدد ما هو ممكن وما هو مكشوف.
خلاصة القول
- تشترط حزمة إيران "للإنترنت المؤيد" التحقق من الهوية قبل منح الاتصال، مما يُنشئ طبقة مراقبة مدمجة.
- تُحذّر مجموعات حقوق الفضاء الرقمي من أن هذا يُرسي بنية تحتية دائمة لإنترنت القائمة البيضاء، لا مجرد حل مؤقت.
- يُقصي النظام المتدرج شرائح واسعة من عامة السكان ممن لا يستطيعون أو لا يرغبون في الامتثال لاشتراطات التحقق.
- أصبحت الأدوات التي تحمي إخفاء الهوية وتُشفّر حركة البيانات ضرورة متزايدة الإلحاح للأشخاص الذين يتنقلون في بيئات الإنترنت الخاضعة لسيطرة الدولة.
- تراقب حكومات حول العالم أداء هذه الأنظمة؛ والنموذج الذي تبنيه إيران له تداعيات تتخطى حدودها.
إن إعادة بناء الوصول إلى الإنترنت في إيران تستحق الاهتمام تحديداً لأنها لا تخص إيران وحدها. إنها دراسة حالة في كيفية توظيف الحكومات لاستعادة الاتصال فرصةً لترسيخ السيطرة بصورة أعمق مما قد يُحققه الحجب الصريح. والبقاء على اطلاع بهذه التطورات هو الخطوة الأولى نحو استيعاب ما هو على المحك لحقوق الفضاء الرقمي على مستوى العالم.




