أيرلندا تسعى إلى إضفاء الشرعية على برامج التجسس التجارية لأغراض إنفاذ القانون

تمضي أيرلندا قُدُماً في تبني مشروع قانون جديد للاتصالات (الاعتراض والوصول المشروع) من شأنه منح الشرطة الصلاحية القانونية لنشر برامج التجسس التجارية، بما في ذلك الأدوات الصادرة عن جهات موردة مثيرة للجدل كمجموعة NSO. يهدف التشريع المقترح إلى تحديث قوانين المراقبة في البلاد، وتوسيع نطاقها ليشمل منصات المراسلة المشفرة كـ Signal وWhatsApp، فضلاً عن البيانات الوصفية الناتجة عن تلك الاتصالات.

يمثل هذا المشروع أحد أبرز توسعات صلاحيات المراقبة الحكومية في تاريخ أيرلندا الحديث، وقد استقطب انتقادات حادة من مناصري الحقوق الرقمية، الذين يحذرون من أن ضعف آليات الرقابة قد يحوّل هذه الأدوات إلى وسائل للتعسف والإساءة.

ما الذي يجيزه مشروع القانون فعلياً؟

بعيداً عن الإشارة اللافتة إلى برامج التجسس التجارية، يتضمن التشريع منظومة أوسع من قدرات المراقبة التي تُثير مخاوف جدية في أوساط خبراء الخصوصية.

يشتمل مشروع القانون على أحكام تتعلق باستخدام أدوات الطب الشرعي الرقمي وأجهزة IMSI-catcher، وهي أجهزة تُحاكي أبراج الهاتف المحمول بهدف اعتراض الاتصالات وتحديد هوية الهواتف المتواجدة في منطقة معينة. وهذه التقنيات ليست دقيقة في تطبيقها؛ إذ تجمع أجهزة IMSI-catcher، على وجه الخصوص، البيانات من كل جهاز يقع ضمن نطاقها، لا من أجهزة المشتبه بهم وحدهم.

تعمل برامج التجسس من أمثال تلك التي تنتجها مجموعة NSO بآلية مختلفة، غير أنها أكثر انتهاكاً للخصوصية. فبمجرد تثبيتها على الجهاز المستهدف، تستطيع سراً استخراج سجل المواقع، والصور، وسجلات البحث، والرسائل الخاصة، وقوائم جهات الاتصال، وذلك كله دون علم المستخدم، الذي لا يُدرك أن جهازه قد تعرض للاختراق.

كما يُوسّع مشروع القانون صلاحيات المراقبة لتشمل البيانات الوصفية الصادرة عن منصات المراسلة المشفرة. فحتى حين تكون محتويات الرسائل محمية بالتشفير الكامل بين الطرفين، تظل البيانات الوصفية كاشفةً لمن تواصل مع من، ومتى، وكم مرة، ومن أي موقع. وهذه المعلومات وحدها كفيلة برسم صورة تفصيلية دقيقة عن علاقات الشخص وتنقلاته.

لماذا يساور خبراء الحقوق الرقمية القلق؟

إن الاعتراض الجوهري الذي تُبديه منظمات الحقوق الرقمية لا يتعلق بمنع الأجهزة الأمنية كلياً من الوصول إلى الاتصالات في القضايا الجنائية الخطيرة؛ بل إن المخاوف تتمحور حول التناسب والرقابة.

ولبرامج التجسس التجارية تاريخ موثق من إساءة الاستخدام. فقد ربطت تحقيقات أجرتها صحفيون ومنظمات المجتمع المدني بين أداة Pegasus التابعة لمجموعة NSO وعمليات مراقبة طالت صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومحامين وشخصيات من المعارضة السياسية في دول عدة. والتقنية ذاتها لا تُميز بين مشتبه به جنائياً وناشط في المجتمع المدني؛ إذ يتوقف ذلك كلياً على الإطار القانوني وأنظمة الرقابة المعمول بها.

وبوصفها دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي، تخضع أيرلندا لقانون حقوق الإنسان الأوروبي، الذي يشترط أن تكون إجراءات المراقبة ضرورية ومتناسبة وخاضعة لرقابة قضائية فعلية. ويرى المنتقدون أن مشروع القانون بصياغته الحالية لا يوفر ضمانات كافية للوفاء بهذا المعيار. وإن كانت الرقابة هزيلة أو الإذن القضائي مجرد إجراء شكلي، فإن الباب يُفتح أمام تمدد نطاق المراقبة ليطال أشخاصاً لا يُشكلون أي تهديد جنائي.

ويُضيف تضمين أجهزة IMSI-catcher طبقةً إضافية من المخاوف؛ إذ إن طابعها غير التمييزي يعني أن أي فرد حاضر في احتجاج أو اجتماع أو تجمع عام قد يقع جهازه في شبكة مراقبة جماعية، بصرف النظر عن أي اشتباه بارتكابه مخالفة.

ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لك؟

بالنسبة لمعظم الأيرلنديين، قد يبدو الأثر العملي الفوري لهذا المشروع مجرداً وبعيداً. فبرامج التجسس الشرطية تُنشر عادةً في تحقيقات موجهة، ولا تُطبَّق على عموم السكان. بيد أن المخاطر حقيقية وتتجاوز نطاق المشتبه بهم.

فالصحفيون الذين يتواصلون مع مصادرهم، والناشطون الذين ينظمون أنشطتهم حول قضايا سياسية حساسة، والمحامون الذين يتعاملون مع شؤون موكليهم السرية، وكل من قد يضعه عمله أو معتقداته في تعارض مع توجهات الدولة، لديهم جميعاً ما يدفعهم إلى متابعة هذا الملف عن كثب. والتاريخ يُثبت أن الأدوات المرخصة للتحقيق في الجرائم الخطيرة في الديمقراطيات كثيراً ما تتسلل بمرور الوقت إلى استخدامات أوسع.

وتبقى تطبيقات المراسلة المشفرة أداةً خصوصية بالغة الأهمية، غير أن الهدف الصريح للمشروع المتمثل في الالتفاف على التشفير يكشف حدودها حين يتعرض الجهاز الطرفي نفسه للاختراق. فبرامج التجسس على مستوى الجهاز تتحايل على التشفير كلياً بقراءة البيانات قبل إرسالها أو بعد استقبالها.

إن فهم البيانات التي تُولدها، ومن يستطيع الوصول إليها، وفي ظل أي ظروف قانونية، بات أمراً متزايد الأهمية لكل من يُقدّر خصوصيته.

أبرز ما ينبغي للقراء أخذه بعين الاعتبار:

  • راجع إعدادات الأذونات والوصول إلى البيانات على أجهزتك بصفة منتظمة
  • تنبّه إلى أن البيانات الوصفية من التطبيقات المشفرة قد تكون كاشفة بالقدر ذاته الذي يكون عليه محتوى الرسائل
  • تابع مسيرة هذا المشروع عبر العملية التشريعية الأيرلندية، إذ توفر فترات التشاور العام فرصة للمشاركة المدنية
  • ادعم منظمات الحقوق الرقمية التي تُدقق في تشريعات المراقبة وتناضل من أجل آليات رقابة متينة
  • تأمل في البيانات التي تُولدها أجهزتك وتحتفظ بها، لأن برامج التجسس تستهدف الجهاز لا مجرد قناة الاتصال

لا يزال مشروع القانون الأيرلندي في طور الدراسة، مما يعني أن ثمة وقتاً للمجتمع المدني والخبراء القانونيين والرأي العام للضغط من أجل ضمانات أكثر صرامة. وستترتب على الشكل النهائي الذي سيأخذه هذا التشريع تبعات دائمة على حقوق الخصوصية في أيرلندا، وقد يُرسي سابقة يرقبها باهتمام بالغ سائر أنحاء أوروبا.