منظمة العفو الدولية ترصد تآكلاً ممنهجاً للحقوق الرقمية في باكستان
وثّق تقرير جديد صادر عن منظمة العفو الدولية نمطاً مستمراً ومتصاعداً من الرقابة على الإنترنت والتجسس الإلكتروني في باكستان، مما يثير مخاوف جدية حول واقع الحقوق الرقمية في البلاد. وتشير النتائج إلى منظومة منسقة لقمع الفضاء الإلكتروني تضم جهات تنظيمية حكومية وتقنيات مستوردة من الخارج وتشريعات جرائم إلكترونية قائمة، تُستخدم جميعها ضد المواطنين العاديين والصحفيين والناشطين.
ويُحدد التقرير هيئة الاتصالات الباكستانية (PTA) بوصفها فاعلاً محورياً في هذه المنظومة، مستشهداً بعمليات قطع الإنترنت التعسفية وحجب المحتوى على نطاق واسع باعتبارها أدوات تُوظَّف بصورة اعتيادية لتقييد تدفق المعلومات. ولا تقتصر عمليات القطع هذه على منصات هامشية، بل تطال الوصول إلى الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي وأدوات التواصل التي يعتمد عليها ملايين الباكستانيين يومياً.
تقنية المراقبة الصينية في صميم المنظومة
من أبرز النتائج ذات الدلالة التقنية في تقرير منظمة العفو الدولية ما يتعلق بالبنية التحتية للمراقبة ذاتها. إذ يُفيد التقرير بأن باكستان نفّذت منظومة محدَّثة لمراقبة الإنترنت مبنية على تقنية مصدرها الصين. وهذا أمر لافت للنظر، إذ تُعدّ أدوات المراقبة الإلكترونية ذات المنشأ الصيني من أكثر الأدوات تطوراً وشمولاً، وقد صُمِّمت لتمكين الفحص العميق للحزم وتصفية الكلمات الرئيسية وتحليل حركة البيانات على نطاق واسع.
وهذا النوع من البنية التحتية يتجاوز بكثير مجرد حجب المواقع الإلكترونية. فهو يتيح للسلطات مراقبة نشاط المستخدمين على الإنترنت في الوقت الفعلي تقريباً، والتعرف على هوية المتواصلين مع بعضهم، ورصد أنواع محددة من المحتوى أو اعتراضها. ويمثل اعتماد هذه التقنية ترقية جوهرية لقدرات المراقبة في باكستان، ويُنبئ بالتحول نحو منظومة رقابية أكثر متانة من الناحية التقنية.
وللسياق، كثيراً ما يُوصف نظام التحكم في الإنترنت المحلي في الصين بأنه الأوسع نطاقاً في العالم. وحين تُصدَّر مكونات هذا النظام وتُنشر في بلدان أخرى، تكون التداعيات على الخصوصية وحرية التعبير في تلك البلدان بالغة الخطورة.
قانون PECA يُستخدم لاستهداف الصحفيين والناشطين
على الصعيد القانوني، يُسلط تقرير منظمة العفو الدولية الضوء على كيفية توظيف قانون الجرائم الإلكترونية الباكستاني، المعروف اختصاراً بـ PECA، لملاحقة الأفراد قضائياً بسبب خطابهم على الإنترنت. فرغم أن هذا القانون صِيغ في الأصل بوصفه تشريعاً لمكافحة الجرائم الإلكترونية، فإنه يتضمن أحكاماً فضفاضة بما يكفي لتجريم انتقاد المؤسسات الحكومية والجيش والمسؤولين العامين.
ووفقاً للتقرير، تعرّض صحفيون وناشطون للاحتجاز والملاحقة القضائية بموجب هذا القانون جراء محتوى نشروه على الإنترنت. وهذا ما تُسميه منظمات الباحثين وحقوق الإنسان "الأثر التخويفي": إذ يبدأ حتى من لم يُستهدفوا شخصياً في الرقابة الذاتية على أنفسهم، إدراكاً منهم أن التعبير الرقمي قد ينطوي على عواقب قانونية وخيمة.
ويُفضي الجمع بين البنية التحتية للمراقبة التقنية والآليات القانونية إلى منظومة تحكّم مزدوجة الطبقات: التقنية تُحدد الأهداف، والقانون يُوفر آلية معاقبتهم.
ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لك
إذا كنت تعيش في باكستان أو تزورها، أو إذا كان لديك مصادر أو زملاء أو أفراد من العائلة يعملون هناك، فإن التداعيات العملية لهذا التقرير تستحق الاهتمام.
بالنسبة للصحفيين والباحثين والناشطين داخل باكستان، ينطوي العمل دون أي شكل من أشكال حماية الخصوصية الرقمية على مخاطر حقيقية. فالاتصال المُراقَب ليس اتصالاً خاصاً، وكما تُوضح نتائج منظمة العفو الدولية، قد تترتب على تلك المراقبة عواقب قانونية.
لكل من يعتمد على شبكة VPN في هذه البيئة، تجدر الإشارة إلى أن خدمات VPN لا تتساوى في أدائها في مواجهة أنظمة الفحص العميق للحزم الصارمة. فبعض البروتوكولات أسهل كشفاً وحجباً من غيرها. وخدمات VPN التي توفر ميزات التمويه — التي تُخفي حركة بيانات VPN لتبدو كحركة مرور عادية على الإنترنت — تكون في العموم أكثر صموداً في البيئات التي تسعى فيها السلطات بنشاط إلى تحديد استخدام VPN وتعطيله. كما أن اختيار مزوّد خدمة يتبنى سياسة صارمة لعدم الاحتفاظ بالسجلات ويُصدر تقارير شفافية يكتسب أهمية أكبر في السياقات عالية المخاطر مقارنةً بالسياقات الأقل خطورة.
وبعيداً عن شبكات VPN، توفر أدوات التواصل الآمن المزودة بتشفير من طرف إلى طرف طبقة حماية إضافية للمحادثات الحساسة، فيما يُقلل تحديث البرامج والتطبيقات باستمرار من التعرض للثغرات المعروفة التي قد تستغلها أدوات المراقبة.
الصورة الأشمل
باكستان ليست حالة معزولة. فتقرير منظمة العفو الدولية يندرج ضمن جسم متنامٍ من التوثيق الذي يُظهر كيف تستورد الحكومات ذات النزعات الاستبدادية وتنشر بنى تحتية متطورة للتحكم الرقمي. وقد غدا تصدير تقنيات المراقبة قضية جيوسياسية قائمة بذاتها، فيما تطالب منظمات الحريات المدنية بمعايير دولية أكثر صرامة تحكم بيعها واستخدامها.
بالنسبة لمستخدمي الإنترنت العاديين، الرسالة الجوهرية هي أن حرية الإنترنت ليست أمراً مسلَّماً به. فالبنية التحتية التي تتحكم فيما يمكنك رؤيته وقوله وفعله على الإنترنت تتشكل وفق قرارات سياسية، وتلك القرارات تتحول بطرق تُقلص الخصوصية وتُضاعف المخاطر لمن ينتقدون بصوت عالٍ أو يُرسلون تقاريرهم باستقلالية.
الاطلاع على آليات عمل هذه المنظومات هو الخطوة الأولى نحو حماية نفسك. وفهم الأدوات المتاحة للحفاظ على الخصوصية الرقمية، وما تنطوي عليه من قيود، هو الخطوة التالية.




