تقرير أمريكي يرصد تصاعد الضغط على منصات التكنولوجيا الأمريكية
وجّهت الحكومة الأمريكية انتقاداً رسمياً لنهج الهند في تنظيم المحتوى الرقمي، واصفةً نمطاً من طلبات الإزالة "ذات الدوافع السياسية" الموجَّهة إلى كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية. وبحسب التقرير، شهدت منصات من بينها فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب وX (تويتر سابقاً) ارتفاعاً ملحوظاً في هذه الطلبات منذ عام 2021. ويسلّط هذا الكشف الضوء على آليات إزالة المحتوى في الهند وتداعياتها على حرية التعبير عبر الإنترنت.
ويمثّل هذا الانتقاد لحظة لافتة في العلاقة بين اثنتين من أكبر ديمقراطيات العالم، ويثير تساؤلات أشمل حول كيفية توظيف الحكومات للقنوات القانونية الرسمية لتحديد ما يُتاح للناس رؤيته على الإنترنت وما يُحجب عنهم.
ما الذي يقوله التقرير فعلاً
يوحي وصف الحكومة الأمريكية لطلبات إزالة المحتوى الهندية بأنها "ذات دوافع سياسية" بأن عمليات الإزالة تتجاوز نطاق تطبيق القوانين المتعلقة بالمحتوى الضار فعلاً. وبدلاً من ذلك، يُشير التقرير ضمنياً إلى أن بعض الطلبات تستهدف خطاباً سياسياً أو عملاً صحفياً أو حسابات مستخدمين ربما تنتقد سياسات الحكومة أو مسؤوليها.
والهند ليست الدولة الوحيدة التي تتقدم بطلبات إزالة محتوى إلى المنصات العالمية، إذ تُقدّم حكومات العالم بانتظام مثل هذه الطلبات، وتنشر المنصات عادةً تقارير شفافية تُفصح فيها عن أعداد الطلبات التي تتلقاها وتلك التي تمتثل لها. غير أن ما يُميّز هذه الحالة هو الثقل الدبلوماسي الرسمي لتقرير حكومي أمريكي يُفرد هذا التوجه باعتباره ذا طابع سياسي، فضلاً عن التصاعد المتواصل في هذه الطلبات منذ عام 2021.
وقد دافعت الحكومة الهندية عن إطارها التنظيمي للمحتوى، بما في ذلك القواعد الصادرة في إطار لوائح تكنولوجيا المعلومات، مؤكدةً أنها ضرورة تقتضيها متطلبات الأمن العام والأمن القومي. في المقابل، رأى المنتقدون، ومنهم منظمات حقوق رقمية، أن هذه القواعد ذاتها تمنح السلطات صلاحيات واسعة وغامضة التعريف للمطالبة بإزالة المحتوى دون رقابة قضائية كافية.
السياق الأشمل لحرية الإنترنت في الهند
تمتلك الهند واحدة من أكبر قواعد مستخدمي الإنترنت في العالم، مما يجعل قرارات تنظيم المحتوى ذات أهمية بالغة بشكل خاص. فالقيود أو عمليات الإزالة التي قد تبدو هامشية بمعزل عن سياقها يمكن أن تؤثر على البيئة المعلوماتية لمئات الملايين من الناس.
كما تتصدّر الهند قائمة الدول الأكثر لجوءاً إلى قطع الإنترنت على المستوى العالمي، حيث تُحرم مناطق بأكملها من الاتصال بالشبكة، في أغلب الأحيان خلال فترات الاضطرابات المدنية أو الأحداث السياسية. وتُمثّل عمليات إزالة المحتوى أداةً مختلفة لكنها مرتبطة بالمنهج ذاته: فبدلاً من قطع الوصول كلياً، تتيح عمليات الإزالة المستهدفة للسلطات إسكات أصوات أو روايات بعينها، مع إبقاء الشبكة الأشمل سليمة.
ووثّق باحثو حقوق الفضاء الرقمي حالات تعرّض فيها صحفيون وناشطون ومستخدمون عاديون لتعليق حساباتهم أو إزالة منشوراتهم إثر طلبات حكومية. وفي بعض الحالات، لم يعلم المتضررون بأن محتواهم قد أُبلغ عنه عبر القنوات الرسمية إلا بعد وقوع الأمر.
ماذا يعني هذا بالنسبة لك
بالنسبة لمستخدمي الإنترنت العاديين في الهند، يُعزّز التقرير الأمريكي المخاوف من أن المحتوى الذي يصطدمون به على الإنترنت، والأصوات التي يمكنهم الوصول إليها، قد يخضع لتصفية تمليها تفضيلات الحكومة لا سياسات المنصات وحدها.
أما بالنسبة للمراقبين الدوليين والمستخدمين في دول أخرى، فيُذكّر التقرير بأن تنظيم المحتوى ليس عملية تقنية محايدة. إذ يُشكّل الضغط الحكومي ما يبقى وما يُزال من المنصات الكبرى، وهذا الضغط في ازدياد في دول عديدة في آنٍ واحد.
وتبقى الشفافية أهم أداة متاحة للعامة في هذا الشأن. فحين تنشر المنصات تقارير شفافية مفصّلة، وحين تُوثّق حكومات كالحكومة الأمريكية رسمياً التوجهات المثيرة للقلق، يغدو من الصعب على الرقابة أن تعمل في الخفاء. وتواصل منظمات المناصرة المتخصصة في رصد حرية الإنترنت ضغطها من أجل رقابة قضائية أصلب على آليات الإزالة، وحقوق إخطار أوضح للمستخدمين الذين يُزال محتواهم.
ولكل من يتابع هذه القضية، فإن الخلاصة الجوهرية واضحة: أولِ اهتماماً لتقارير الشفافية التي تنشرها المنصات الكبرى، وادعم المنظمات التي تناضل من أجل الحقوق الرقمية، وابقَ مطّلعاً على كيفية تطور قواعد تنظيم المحتوى في الدول التي تستهلك فيها المحتوى الرقمي أو تنتجه. فالمستخدم المُطّلع أقدر على إدراك الأوقات التي تتشكّل فيها البيئة المعلوماتية من حوله بفعل قوى تتجاوز قرارات المنصات التحريرية أو معايير المجتمع.
وقد لا يُحسم التقرير الأمريكي التوترات الكامنة بين الطموحات التنظيمية للهند ومبادئ حرية التعبير التي يتطلع كثير من مستخدمي الإنترنت إلى صونها. لكن الإفصاح العلني عن المشكلة يُعدّ خطوة ذات معنى نحو المساءلة، ويضمن بقاء هذه القضية جزءاً من الحوار الأشمل حول كيفية تنظيم الديمقراطيات للخطاب الرقمي.




