حين يصطدم سمعة دبي المنفتحة بواقع قاسٍ

طالما سوّقت دبي نفسها بوصفها مدينة عالمية متفتحة وصديقة للأعمال. وقد عزّزت ناطحات السحاب اللامعة والتمويل الدولي وقاعدة المغتربين الواسعة هذه الصورة لعقود من الزمن. غير أن النزاع الدائر الذي يشمل إيران كشف عن وجه آخر للحوكمة في هذه الإمارة، وجه تُفضي فيه مشاركة الأخبار عبر الإنترنت إلى الاحتجاز أو الغرامات المالية أو الترحيل.

بادرت السلطات إلى تطبيق قوانين الجرائم الإلكترونية في الإمارات بحزم متجدد، مستهدفةً المقيمين الذين يتداولون تقارير عن الهجمات أو معلومات تُعدّ "أخباراً كاذبة". وتصاغ القوانين المعنية بعبارات فضفاضة، مما يمنح المسؤولين صلاحية تقديرية واسعة في تحديد ما يُشكّل مخالفة. وهذا الغموض بالذات هو ما يجعلها بالغة الأثر على عامة الناس.

ما تنصّ عليه قوانين الجرائم الإلكترونية فعلياً

يتضمن تشريع الجرائم الإلكترونية في الإمارات أحكاماً تُجرّم نشر المحتوى الرقمي الذي يُعدّ ضاراً بالأمن الوطني أو النظام العام أو سمعة الدولة. وفي الواقع العملي، يمكن تطبيق هذه الأحكام على طيف واسع من أوجه التعبير، بما يشمل إعادة نشر المقالات الإخبارية، والتعليق على الأحداث الراهنة، بل وحتى إعادة توجيه الرسائل في مجموعات الدردشة الخاصة.

ومنذ تصاعد النزاع مع إيران، يبدو أن التطبيق قد اشتدّ وتيرةً. إذ واجه مقيمون الاحتجاز والتهديد بالترحيل جراء أنشطة كانت ستُعدّ في معظم دول العالم مجرد تداول اعتيادي للأخبار. كما صدرت بحق بعضهم غرامات مالية. وبالنسبة لجالية المغتربين الكبيرة في دبي، تكون المخاطر مرتفعة بشكل خاص؛ إذ لا يعني أمر الترحيل مغادرة البلاد فحسب، بل يعني لكثيرين فقدان مصدر الرزق وتشتيت الأسر.

يكشف هذا الوضع مدى السرعة التي يمكن أن تتبدل بها قواعد اللعبة في الأنظمة القضائية التي تتسم فيها قوانين حرية التعبير بالغموض ويُطبَّق فيها القانون وفق الاجتهاد. فما كان مسموحاً به أمس قد يُلاحَق عليه قانونياً اليوم، ولا سيما حين ترتفع حدة التوترات الجيوسياسية.

النمط الأشمل لرقابة أوقات الحرب

لا تنفرد دبي بتشديد ضوابط المعلومات في فترات النزاعات أو الاضطرابات. فقد لجأت حكومات حول العالم عبر التاريخ إلى توظيف ظروف الطوارئ لتبرير القيود على حرية الصحافة والخطاب العام. وما يجعل الحالة الدبية لافتةً للنظر هو الهوّة بين الصورة الدولية التي نسجتها المدينة بعناية وبين الواقع الذي يواجهه مقيموها اليوم.

لسنوات، قدّمت دبي نفسها ملاذاً آمناً للكفاءات العالمية وحاضنةً للشركات الإعلامية الدولية. وهذه السمعة باتت الآن على المحك. فالصحفيون والناشطون والمقيمون العاديون يسيرون في بيئة رقمية باتت فيها الرقابة الذاتية استراتيجيةً للبقاء. والنتيجة أثرٌ تخويفي يمتد إلى ما هو أبعد بكثير من أولئك الذين احتُجزوا فعلاً.

كما يُثير تطبيق قوانين الجرائم الإلكترونية المبهمة في خضم نزاع إقليمي تساؤلات حول الكيفية التي قد تستجيب بها دول خليجية أخرى إذا ما اتسعت رقعة التوترات. وقد يُرسي نهج الإمارات سابقة تختار حكومات المنطقة الأخرى أن تحتذي بها.

ما يعنيه هذا بالنسبة لك

إن كنت تقيم في دبي أو تعمل فيها أو تزورها، فإن البيئة الراهنة تستدعي نهجاً أكثر حذراً في نشاطك الرقمي مما قد تتبعه في أماكن أخرى. ثمة نقاط عملية تستحق أن تضعها في اعتبارك.

افهم البيئة القانونية قبل أن تنشر. إن مشاركة المحتوى الإخباري، حتى من المنابر الدولية الموثوقة، تنطوي على مخاطر قانونية إذا فسّرت السلطات ذلك على أنه ترويج لمعلومات كاذبة أو إخلال بالنظام العام. وهذا ينطبق على منشورات وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل الخاصة ومجموعات الدردشة.

أدرك أن إعدادات خصوصية المنصات توفر حماية محدودة. لقد استُخدم المحتوى المشارَك في قنوات يُفترض أنها خاصة أساساً لاتخاذ إجراءات قانونية في ولايات قضائية مختلفة. من الخطورة بمكان افتراض أن رسائلك خاصة فعلاً استناداً إلى إعدادات أحد التطبيقات.

تعامل مع بصمتك الرقمية بوصفها جزءاً من تخطيطك الأمني الشخصي. يتعامل المقيمون والزوار في الولايات القضائية عالية المخاطر مع نشاطهم الإلكتروني بصورة متزايدة كما يتعاملون مع أي شكل آخر من أشكال الأمن الشخصي، من خلال خيارات مدروسة حول ما يشاركونه وأين ومتى.

يمكن أن يساعد استخدام شبكة VPN موثوقة في حماية اتصالاتك عبر تشفير حركة البيانات وتقليص تعرّضك للمراقبة. فرغم أن أيّ أداة لا تُلغي المخاطر كلياً، ولا سيما حين تستهدف القوانين حرية التعبير لا المراقبة وحدها، يُضيف التشفير طبقةً حماية ذات قيمة عند التعامل مع البيئات الرقمية المقيّدة.

خلاصة القول

يُذكّرنا رد فعل دبي تجاه النزاع مع إيران بشكل جليّ بأن الحقوق الرقمية ليست موحّدة عبر الحدود. إن حملة القمع على الجرائم الإلكترونية التي تطال المقيمين هناك تعكس نمطاً مشهوداً في السياقات الاستبدادية وشبه الاستبدادية حول العالم: قوانين مبهمة، تُطبَّق بانتقائية، في اللحظات التي تشعر فيها الحكومات بأكبر قدر من التهديد.

بالنسبة لكل من يعيش أو يسافر في مناطق تتسم فيها قوانين حرية التعبير بالاتساع وتطبيقها بعدم القدرة على التنبؤ، فإن الدرس واضح وصريح. البقاء على اطلاع بالبيئة القانونية، والتدقيق في ما تشاركه عبر الإنترنت، واستخدام أدوات الخصوصية عند الاقتضاء، ليست ضرباً من ضروب جنون الارتياب. بل هي احتياطات معقولة في عالم لا تسري فيه القواعد ذاتها في كل مكان تحل فيه.