المحكمة العليا تتصدى لخصوصية الموقع على الهواتف الذكية
تدرس المحكمة العليا الأمريكية إحدى أهم قضايا الخصوصية الرقمية منذ سنوات. وقد وضعت المرافعات الشفهية في قضية Chatrie ضد الولايات المتحدة أوامرَ السياج الجغرافي في قلب نقاش وطني، إذ تضطر المحكمة إلى البت فيما إذا كان بإمكان جهات إنفاذ القانون إلزام شركات التكنولوجيا بتسليم بيانات الموقع لكل هاتف ذكي كان موجوداً في منطقة معينة إبان وقوع جريمة ما، وذلك دون الحاجة إلى أمر تفتيش تقليدي موجَّه لشخص بعينه.
وقد تُعيد نتيجة هذه القضية تشكيل طريقة التحقيق الجنائي باستخدام البيانات الرقمية بشكل جذري، فضلاً عن تحديد مستوى الخصوصية المكانية الذي يمكن لمستخدمي الهواتف الذكية توقعه فعلياً.
ما هو أمر السياج الجغرافي؟
أمر السياج الجغرافي هو أمر قانوني يوجَّه إلى شركة ما، وغالباً ما تكون Google عبر قاعدة بيانات الموقع لديها المعروفة بـ Sensorvault، لتحديد هوية كل جهاز مرّ عبر منطقة جغرافية محددة خلال نافذة زمنية بعينها. وعلى خلاف أمر التفتيش التقليدي الذي يستهدف مشتبهاً به معروفاً، يجمع أمر السياج الجغرافي بيانات كل من صادف وجوده في المنطقة، بمن فيهم المارة والشهود والأشخاص الذين لا تربطهم أي صلة بالجريمة.
وقد لجأت وكالات إنفاذ القانون إلى هذه الأوامر بتكرار متزايد على مدار العقد الماضي. وجاذبيتها من منظور التحقيق واضحة: فإذا وقعت سرقة في عنوان محدد عند الساعة الثالثة مساءً، فإن أمر السياج الجغرافي يكشف عن قائمة بالأجهزة، ومن ثَمَّ الأشخاص، الذين كانوا في المنطقة المجاورة. غير أن المنتقدين يرون أن هذا الأسلوب يقلب رأساً على عقب الحماية التي يكفلها التعديل الرابع ضد التفتيش غير المبرر، من خلال معاملة السكان بأسرهم كمشتبه بهم.
وفي قضية Chatrie، استُخدم الأمر خلال التحقيق في سرقة بنك في ولاية فيرجينيا. ويتمحور التحدي المطروح أمام المحكمة العليا حول ما إذا كان استخدام أمر السياج الجغرافي ذلك قد شكّل تفتيشاً غير مبرر بموجب الدستور.
لماذا تبدو المسألة الدستورية المتعلقة بالتعديل الرابع معقدة؟
يمتد التوتر القانوني هنا إلى أعمق مما قد يبدو للوهلة الأولى. فعلى مدى عقود، طبّقت المحاكم ما يُعرف بـ"مبدأ الطرف الثالث"، وهو مبدأ يرى أن المعلومات التي يُفصح عنها طوعاً لطرف ثالث، كالبنك أو شركة الهاتف، لا تحظى بأي توقع معقول للخصوصية. واستناداً إلى هذا المنطق، يمكن اعتبار بيانات الموقع المُشاركة مع Google عبر تطبيق هاتفي متاحةً للمحققين دون قيود.
بيد أن المحكمة العليا بدأت في النيل من هذا المبدأ في حكمها الصادر عام 2018 في قضية Carpenter ضد الولايات المتحدة، الذي قضى بأن الوصول إلى أسابيع من بيانات موقع أبراج الهاتف التاريخية دون أمر تفتيش يُعدّ انتهاكاً للتعديل الرابع. وأقرّ القضاة بأن التتبع المطوّل والتفصيلي للموقع يختلف نوعياً عن أنواع الإفصاح المنفصلة التي صُمِّم مبدأ الطرف الثالث أصلاً لمعالجتها.
وتطلب قضية Chatrie الآن من المحكمة المضي قُدُماً. فالسؤال المطروح هو ما إذا كانت عملية المسح بالسياج الجغرافي، حتى تلك التي تغطي فترة زمنية قصيرة، تمثّل نوع المراقبة التدخلية الذي يستوجب أمر تفتيش تقليدياً مبنياً على سبب وجيه ويُسمّي مشتبهاً به بعينه. وقد استجوب عدد من القضاة كلا الجانبين بشأن أين يمكن رسم هذا الخط خلال المرافعات الشفهية.
ماذا يعني هذا بالنسبة لك؟
إذا كنت تحمل هاتفاً ذكياً، فإن هذه القضية تتعلق بحياتك اليومية مباشرةً. إذ تُولّد الأجهزة الحديثة باستمرار إشارات الموقع عبر نظام GPS وتحديد الموقع بالواي فاي وتثليث أبراج الهاتف. وتجمع كثير من التطبيقات هذه البيانات وتنقلها إلى شركات مثل Google كجزء اعتيادي من عملها. ولا يملك معظم المستخدمين أي رؤية تذكر فيما يتعلق بالوقت الذي يُطّلع فيه على تلك البيانات أو من يطّلع عليها.
فحكم لصالح الحكومة سيؤكد أن لجهات إنفاذ القانون مواصلة استخدام أوامر السياج الجغرافي على نطاق واسع، مع احتمال توسيع نطاق تطبيقها. أما الحكم لصالح Chatrie فقد يُلزم الشرطة باستصدار أوامر تفتيش أكثر استهدافاً قبل الوصول إلى هذا النوع من البيانات، مما يرفع السقف القانوني بشكل ملحوظ.
وفي كلتا الحالتين، تُسلّط القضية الضوء على حقيقة لم يستوعبها كثير من مستخدمي الهواتف الذكية استيعاباً تاماً: إذ يُنشئ جهازك سجلاً تفصيلياً مؤرخاً زمنياً لتحركاتك، وهذا السجل محفوظ لدى شركات خاصة لا تزال التزاماتها القانونية بحمايته موضع جدل.
بالنسبة لمن يرغب في تقليص انكشافه من حيث الموقع، ثمة خطوات عملية جديرة بالتأمل. فمراجعة التطبيقات التي تملك صلاحية الوصول إلى إعدادات الموقع في جهازك تُعدّ نقطة انطلاق معقولة. كما أن تقييد أذونات الموقع على "أثناء الاستخدام فحسب" بدلاً من "دائماً" يُقلّص حجم البيانات المجمّعة. ويُضيف استخدام شبكة VPN طبقة من إخفاء الهوية لنشاطك على الشبكة عبر إخفاء عنوان IP الخاص بك، وإن كان من المهم الإشارة إلى أن شبكة VPN وحدها لا تحول دون تتبع الموقع القائم على GPS. كذلك يُعدّ إيقاف ميزات سجل الموقع في خدمات كـ Google Maps خياراً ذا معنى.
لا تُلغي أداة واحدة بعينها تتبع الموقع كلياً، لكن تراكم ممارسات الخصوصية يمكن أن يُقلّص انكشافك تقليصاً ملموساً.
الصورة الأكبر
سيضع حكم Chatrie، حين يصدر، سابقة تُشكّل مسار التحقيقات الرقمية لسنوات مقبلة. وسيُشير إلى ما إذا كانت حمايات الدستور قادرة على التكيّف مع تقنيات المراقبة التي لم تكن موجودة حين صِيغ التعديل الرابع، أم أن تلك الحمايات ستبقى جامدة في حقبة الوثائق الورقية والتفتيش الجسدي.
بالنسبة لكل من يحمل هاتفاً ذكياً، أي معظم سكان البلاد، فإن متابعة هذه القضية ليست تمريناً مدنياً مجرداً. إنها نافذة مباشرة على مقدار الخصوصية التي يمكنك توقعها من الجهاز الذي تحمله في جيبك. وإن البقاء على اطلاع بالحكم، واتخاذ خطوات استباقية لإدارة بيانات موقعك الخاص، استجابةٌ عملية بصرف النظر عن قرار المحكمة في نهاية المطاف.




