خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة يدقون ناقوس الخطر بشأن المراقبة الرقمية
أصدر تحالف من خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بياناً مشتركاً صارماً يحذر من أن تقنيات المراقبة الرقمية التعسفية باتت تتحول إلى ظاهرة طبيعية بشكل خطير في جميع أنحاء العالم. ويسلط البيان الضوء على نمط مثير للقلق: أدوات المراقبة الشاملة، التي تعمل بشكل متزايد بالذكاء الاصطناعي، لا تُوظَّف ضد المجرمين فحسب، بل ضد الصحفيين والناشطين السياسيين وأعضاء حركات المعارضة.
يحذر الخبراء من أن هذا التطبيع يُفرز ما يصفونه بـ"الأثر التثبيطي" على حرية التعبير والمشاركة الديمقراطية. بعبارة بسيطة، حين يعتقد الناس أنهم يخضعون للمراقبة، يُغيّرون سلوكهم؛ فيرقبون أنفسهم، ويتجنبون علاقات بعينها، ويلوذون بالصمت. وهذا التحول، حين يتضاعف عبر مجتمعات بأكملها، يُضعف أسس المجتمع المفتوح.
النداء الصادر عن الأمم المتحدة واضح وصريح: تحتاج الحكومات إلى أطر قانونية عاجلة للحد من توظيف أدوات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في سياقات إنفاذ القانون والأمن الوطني. ويرى الخبراء أنه بغياب حدود واضحة، يُشكّل التوسع غير المقيد لهذه التقنيات تهديداً جوهرياً لحقوق الإنسان.
من هم الأكثر عرضة للخطر
على الرغم من أن تداعيات المراقبة الجماعية تمس الجميع، فإن فئات بعينها تواجه المخاطر الأشد وطأةً والأكثر إلحاحاً.
الصحفيون العاملون في تحقيقات حساسة هم أهداف متكررة. إذ يمكن أن تكشف مراقبة اتصالاتهم عن مصادرهم، وتُعطّل القصص ذات الاهتمام العام، وتعرّض الأفراد للخطر الجسدي. وحين يعجز الصحفيون عن ضمان السرية، تجف المصادر وتتراجع صحافة المساءلة.
الناشطون ومنظمات المجتمع المدني يواجهون مراقبة قادرة على تعطيل جهود التنظيم، وكشف الاستراتيجيات الداخلية، وتعريض الأعضاء للمضايقة أو الضغط القانوني. ويتجلى ذلك بحدة أكبر في البلدان التي يتعمد فيها تمييع الحد الفاصل بين الاحتجاج المشروع والمعارضة المُجرَّمة.
شخصيات المعارضة السياسية هي ربما الأكثر استهدافاً بشكل مباشر، إذ تُستخدم المراقبة أداةً للتنبؤ بالتحديات السياسية وتقويضها وقمعها في مواجهة من هم في السلطة.
غير أن التحذير الأشمل الصادر في بيان الأمم المتحدة موجّه إلى جمهور أوسع. مع توسع البنية التحتية للمراقبة وتراجع تكلفة التقنيات وازدياد تطورها، تتسع دائرة المتضررين. فما يبدأ بمراقبة مستهدفة لفئات بعينها، يميل بشكل موثق إلى التوسع تدريجياً مع مرور الوقت.
إشكالية التطبيع
من أبرز المخاوف التي أثارها خبراء الأمم المتحدة ليس مجرد وجود المراقبة، بل تطبيعها. فحين تغدو الرقابة التعسفية أمراً روتينياً، تتآكل التوقعات العامة المتعلقة بالخصوصية. وتجد الأنظمة القانونية المبنية على هذا التوقع صعوبة في مواكبة المستجدات. وبمجرد أن تتجذر البنية التحتية للمراقبة في أجهزة إنفاذ القانون والوكالات الحكومية، يغدو تفكيكها أو تقييدها أمراً عسيراً من الناحيتين السياسية والتقنية.
وتُسرّع أدوات الذكاء الاصطناعي هذه العملية. إذ تستطيع الأنظمة الآلية معالجة كميات هائلة من البيانات، وتحديد الأفراد استناداً إلى أنماط سلوكية، وذلك بنطاق لا يمكن لأي مراقبة يقودها بشر بلوغه. ويستهدف نداء الخبراء من أجل أطر قانونية هذا التسارع التكنولوجي تحديداً، مُحتجّين بضرورة سن القوانين وآليات الرقابة قبل أن تزداد هذه الأدوات ترسخاً.
هذه ليست مشكلة حكر على الدول الاستبدادية. فقد واجهت الديمقراطيات ذات التقاليد القانونية الراسخة جدلاً واسعاً حول برامج جمع البيانات الجماعية، وتطبيقات التعرف على الوجه، واستخدام برامج التجسس التجارية. ويعكس بيان الأمم المتحدة إدراكاً بأن أي دولة ليست بمنأى تلقائياً عن هذه الضغوط.
ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لك
حتى لو لم تكن صحفياً أو ناشطاً، فإن تحذير الأمم المتحدة ينطوي على أهمية عملية. إذ يؤثر تطبيع المراقبة على بيئة الخصوصية الأشمل التي يعمل فيها الجميع. فمع تحول أدوات الرقابة إلى بنية تحتية معيارية، تتضاعف البيانات المُولَّدة حول اتصالات الأشخاص العاديين وتنقلاتهم وعلاقاتهم.
إدراك هذا السياق هو الخطوة الأولى. والثانية هي الاعتراف بأن ممارسات الخصوصية الفردية تحمل أهمية بالغة. فتشفير الاتصالات، والتفكير المتأني في البيانات التي تشاركها مع التطبيقات والخدمات، وفهم كيفية رصد حركة مرور الإنترنت الخاصة بك، كلها اعتبارات وثيقة الصلة في عالم تُصدر فيه كبار خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تحذيرات رسمية.
أما من ينتمون إلى فئات الخطر الأعلى، كالصحفيين والباحثين والمحامين الذين يتولون قضايا حساسة، أو كل من يعيش في بيئات تنتهج ممارسات مراقبة مكثفة أو يُعدّ منها تقارير، فإن الرهانات في حقهم أعلى بكثير. وبالنسبة لهؤلاء، لا يُعدّ فهم المشهد التقني للخصوصية الرقمية أمراً اختيارياً، بل هو ضرورة تتعلق بالسلامة المهنية والشخصية.
خطوات عملية قابلة للتطبيق
- تابع تداعيات بيان الأمم المتحدة: الأطر القانونية مهمة، والضغط الشعبي على الحكومات لاعتمادها جزء من آلية تحقيقها. من المجدي البقاء على اطلاع دائم بالتشريعات المتعلقة بالمراقبة في بلدك.
- راجع عاداتك الرقمية: تفحّص التطبيقات التي تملك صلاحية الوصول إلى الميكروفون والكاميرا والموقع الجغرافي لديك. قلّص مشاركة البيانات غير الضرورية قدر الإمكان.
- استخدم أدوات اتصال مشفرة: تطبيقات المراسلة المشفرة من طرف إلى طرف تُقلص بشكل ملحوظ التعرض لانكشاف محادثاتك الخاصة.
- افهم خصوصية شبكتك: يمكن أن تكشف حركة مرور الإنترنت الخاصة بك الكثير عن سلوكك وعلاقاتك. الأدوات التي تُشفّر اتصالك وتُخفي عنوان IP الخاص بك تضيف طبقة حماية ذات معنى.
- ادعم منظمات حرية الصحافة: المجموعات التي تدافع عن الصحفيين والحقوق الرقمية تؤدي دوراً مباشراً في التصدي لتطبيع المراقبة الذي يحذر منه خبراء الأمم المتحدة.
بيان الأمم المتحدة هو إشارة رسمية من بعض كبار سلطات حقوق الإنسان في العالم تفيد بأن المراقبة الرقمية قد تجاوزت حدوداً تهدد الحريات الأساسية. وأخذ هذا التحذير بجدية، والاستجابة له بالمشاركة المدنية وممارسات الخصوصية العملية، يُعدّ رداً معقولاً ومتناسباً.




