قسم التحقيقات الجنائية في سريلانكا يستجوب فرداً بشأن منشور على X، مُشعِلاً نقاشاً حول حقوق الفضاء الرقمي

استدعى قسم التحقيقات الجنائية (CID) في سريلانكا فرداً للاستجواب بشأن منشور نُشر على منصة X، المعروفة سابقاً بتويتر. وقد استقطبت هذه الخطوة انتقادات حادة من منظمة الصحفيين الإعلاميين من أجل الديمقراطية في سريلانكا (SMJDSL)، التي وصفت هذا الإجراء بأنه تهديد جسيم لحقوق الفضاء الرقمي وحرية الخطاب العام. وعلى الرغم من أن المحتوى المحدد للمنشور لم يُكشف عنه على نطاق واسع، فإن الاستدعاء بحد ذاته وجّه رسالة تحذيرية صارمة لكل من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن آرائه في البلاد.

يحذّر المدافعون عن حقوق الفضاء الرقمي من أن هذا ليس حادثة معزولة، بل هو جزء من نمط أوسع تلجأ فيه الحكومات إلى آليات إنفاذ القانون لمراقبة الأفراد واستجوابهم وملاحقتهم قضائياً على أساس نشاطهم عبر الإنترنت. فحين تبدأ الجهات الحكومية في التعامل مع منشورات وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مسوّغاً للتحقيق الجنائي، يلجأ المواطنون العاديون في الغالب إلى الرقابة الذاتية، وهي بلا شك أشد أشكال قمع حرية التعبير فاعلية.

لماذا تُعدّ مراقبة الحكومات لوسائل التواصل الاجتماعي قضية عالمية الأهمية

سريلانكا ليست الدولة الوحيدة في هذا التوجه. فقد لجأت السلطات في دول عديدة إلى مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها أداة اعتيادية لإنفاذ القانون، من خلال استدعاء الأفراد أو اعتقالهم بسبب منشورات تُعدّ انتقاداً للحكومات أو الشخصيات العامة أو الروايات الرسمية. وما يجعل كل قضية ذات أهمية بالغة هو السابقة التي تُرسيها والخوف الذي تزرعه في أوساط شريحة واسعة من السكان.

يتمحور قلق منظمة SMJDSL حول ديناميكية مألوفة: حين يدرك الناس أن نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي قد يستدعي زيارة من المحققين، يتوقفون عن التعبير بحرية. ويبدأ الصحفيون والناشطون والمواطنون العاديون في الموازنة بين كل منشور والمخاطر القانونية المحتملة. وقد وُثّق لهذا النوع من المراقبة أثرٌ تثبيطي على الخطاب العام، إذ يُسكت الانتقاد بفاعلية دون الحاجة إلى سن قانون رقابة رسمي.

بالنسبة للمراقبين في مجال حقوق الفضاء الرقمي، تُعدّ قضية سريلانكا مثالاً ملموساً على سبب أهمية البنية التحتية للخصوصية الرقمية بمصطلحات عملية وإنسانية بحتة. فهي ليست مصدر قلق مجرد مقتصر على المتخصصين التقنيين، بل تمس كل من يستخدم الإنترنت للتواصل.

كيف يحمي الناس أنفسهم في ظل الضغط الرقمي

في البيئات التي تخضع فيها أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي للتدقيق الحكومي، يلجأ كثير من المستخدمين إلى أدوات الخصوصية لحماية هويتهم واتصالاتهم. وتُعدّ الشبكات الافتراضية الخاصة، أو ما يُعرف بـ VPN، من أكثر هذه الأدوات شيوعاً. إذ تُشفّر الشبكة الافتراضية الخاصة حركة مرور المستخدم على الإنترنت وتُخفي عنوان IP الخاص به، مما يُصعّب بشكل كبير على الأطراف الثالثة، بما فيها مزودو خدمة الإنترنت والجهات الحكومية، تتبّعَ المواقع التي يزورها الفرد أو ربط نشاطه الرقمي بشخصه.

إلى جانب الشبكات الافتراضية الخاصة، يعتمد المستخدمون المهتمون بالخصوصية في الغالب على مجموعة من الممارسات المتكاملة، تشمل: استخدام تطبيقات المراسلة المشفّرة، وإنشاء حسابات على المنصات دون ربطها بمعلومات شخصية، واستخدام متصفحات أو إعدادات تحدّ من تتبع النشاط. أما الصحفيون والناشطون الذين يواجهون مخاطر متصاعدة، فيلجؤون إلى أدوات أكثر تطوراً كشبكة Tor للتصفح المجهول التي توفر طبقات حماية إضافية.

تجدر الإشارة إلى أن لا أداة واحدة تضمن إخفاء الهوية بصورة تامة. إذ تعتمد فاعلية أي إجراء للخصوصية اعتماداً كبيراً على كيفية استخدامه، وطبيعة التهديدات التي يواجهها الشخص، والبيئة القانونية التي يعمل فيها. وإدراك مستوى المخاطر الخاصة بك هو الخطوة الأولى نحو اختيار الحماية المناسبة.

ماذا يعني هذا بالنسبة لك

حتى إن لم تكن مقيماً في سريلانكا، فإن هذه القضية تحمل دروساً تستحق الاهتمام الجدي. فمراقبة الحكومات لوسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة عالمية، والأطر القانونية التي تُجيزها تتفاوت تفاوتاً كبيراً من دولة إلى أخرى. فما يُعدّ خطاباً محمياً في ولاية قضائية معينة قد يكون جريمة يعاقب عليها القانون في ولاية أخرى. وإن كنت تسافر دولياً، أو تعمل مع مصادر في بيئات عالية المخاطر، أو تقدّر ببساطة حقك في التعبير عن آرائك دون مراقبة، فإن وضع سريلانكا يمثل تذكيراً مفيداً لمراجعة عاداتك الرقمية.

كما يُذكّرنا البيان العلني لمنظمة SMJDSL بالدور الذي تؤديه منظمات المجتمع المدني في توثيق هذه الممارسات والطعن فيها. فالوعي في حد ذاته ضرب من ضروب المقاومة. وحين تستنكر مجموعات المناصرة حوادث بعينها لانتهاكات حقوق الفضاء الرقمي، فإنها تُنشئ سجلاً عاماً لا تستطيع الحكومات محوه بسهولة.

خطوات عملية قابلة للتطبيق

  • افهم مستوى مخاطرك. إن كنت صحفياً أو ناشطاً أو ناقداً متكرراً للمؤسسات النافذة، فإن تعرّضك للمراقبة الموجّهة أعلى من المتوسط.
  • استخدم شبكة VPN موثوقة. تشفير حركة مرورك وإخفاء عنوان IP الخاص بك خطوتان أساسيتان نحو تقليص أثرك الرقمي، لا سيما عند استخدام الشبكات العامة أو الخاضعة للمراقبة.
  • فعّل المصادقة الثنائية. تأمين حسابات وسائل التواصل الاجتماعي يُقلل من خطر الوصول غير المصرح به الذي قد يُفصح عن هويتك أو علاقاتك.
  • ابقَ على اطلاع بالقوانين المحلية. الكلام المباح في بلدك قد لا يكون محمياً إن نشرت أثناء سفرك أو إن وصل محتواك إلى جماهير في ولايات قضائية مقيِّدة.
  • تابع منظمات حقوق الفضاء الرقمي. تنشر مجموعات كمنظمة SMJDSL، فضلاً عن المنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة وحقوق الإنترنت، إرشادات عملية وترصد التهديدات الناشئة.

تُعدّ قضية سريلانكا مثالاً جلياً على مدى السرعة التي يتحول بها منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إلى مسألة قانونية في ظل الظروف السياسية المناسبة. إن اتخاذ خطوات الآن لفهم خصوصيتك الرقمية وحمايتها ليس ضرباً من الهواجس. بل هو استعداد أساسي لعالم يتضيّق فيه الخط الفاصل بين الخطاب العام والرقابة الحكومية باستمرار.